حدثنا عبد الله ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن برد ، عن مكحول قال : من طلب الحديث ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار . (كتاب الزهد للإمام أحمد)

ويمضي عمر الإنسان كما يمضي رمضان

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 تنقضي الدنيا كما ينقضي عمر الإنسان، ويمضي عمر الإنسان كما يمضي رمضان، فبالأمس القريب كان الناس يستقبلون شهرهم، وهم الآن يودعونه، وهكذا يولد الإنسان كما يولد هلال الشهر، ومهما طال عمره في الدنيا فإنه نسي ما فات، ويأمل فيما هو آتٍ، وليس دون أمل الإنسان إلا الموت ،والدنيا كلها مثل عمر الإنسان لها بداية أذن الله تعالى بها، ولها نهاية قدرها سبحانه وتعالى، وهو عز وجل من يعلم نهايتها (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا.

 أعلمتم خبر آلاف السنين التي مضت من عمر الدنيا، وقرأتم أو سمعتم تاريخ الأمم المتعاقبة من لدن آدم عليه السلام؛ فإنه لم يبق منها إلا بعض ذكرها، وليس لأفرادها إلا ما استودعوا صحائف أعمالهم، منهم أمم عاشت آلاف السنين، وأفراد تجاوزوا المئين، ونوح عليه السلام قضى من السنين في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، والله تعالى أعلم كم كان عمره كاملا، فأين تلك الأمم ؟ وأين من عمروا فيها طويلا؟ لقد مضوا إلى ربهم، وكأنهم ما عاشوا في الدنيا إلا قليلا!!

إن عمر الإنسان لا قيمة إلا بما كان فيه من عمل؛ فالشيخ الذي يعمر في طاعة الله تعالى حتى احدودب ظهره، وسقط حاجباه على عينيه من الكبر، يكون طول عيشه حجة له، وسببا في زيادة حسناته، ورفع درجاته، فيحظى بالمنازل العالية عند الله تعالى؛ ولذا كان من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم.

وأما من عمر طويلا فقضى عمره في معصية الله تعالى، فيا حسرة له على ما فرط وضيع، ذهبت الملذات والشهوات، وبقي الندم والحسرات، وكيف يقابل الله تعالى من كان هذا حاله ؟! وقد جاء في الحديث أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وأن شر الناس من طال عمره وساء عمله. إن الدنيا مثل رمضان، تمضي بلذائذها وشهواتها، وتعبها ونصبها، وينسى العباد ذلك، ولكنهم يجدون ما قدموا مدخرا لهم، إنْ خيرا فخير، وإن شرا فشر،

 ونحن في أخريات شهرنا، اسألوا من جاهدوا نفوسهم، واصبروها على طاعة الله تعالى في الأيام الماضية، فأتعبوا أجسادهم، وأمضوا نهارهم في أعمالهم، وفي بر والديهم، وصلة أرحامهم، ونفع إخوانهم رغم صيامهم، وأسهروا ليلهم في صلاة التراويح والمناجاة، والدعاء والاستغفار، سلوهم الآن عن تعبهم وسهرهم، وعن جوعهم وعطشهم، تجدوا أنهم قد نسوا ذلك، ولكن كتب في صحائفهم أنهم صاموا فحفظوا الصيام، وقاموا فأحسنوا القيام، وعملوا أعمالا صالحة كثيرة امتلأت بها صحفهم في رمضان، ولسوف يجدون عقبى ذلك غدا في قبورهم وعند نشرهم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم.

وسلوا الذين قضوا رمضان في النوم والبطالة، ورفهوا عن أنفسهم بأنواع المحرمات، وتفكهوا بما يعرض في الفضائيات، وضحكوا كثيرا من مشاهد السخرية بدين الله تعالى، وإنْ صلى أحدهم صلى ثقيلا، وإن قرأ القرآن ملّ منه سريعا، وما مضت عليهم الليالي السالفة إلا وقد أخذوا من الرفاهية أكثرها، ومن الضحك والمتعة أنواعها، سلوهم الآن عن أنواع الرفاهية والمتع التي تمتعوا بها لن تجدوا عندهم منها شيئا يذكر،ذهب كل ذلك وبقيت الأوزار تثقل كواهلهم، وتسود صحائفهم، ولا نجاة لهم إلا بتوبة عاجلة قبل أن يحال بينهم وبين التوبة.

إن الدنيا يا عباد الله هي مثل تلك الأيام التي مضت بحرها وعطشها وجوعها وسهرها وتعبها، ينسى المعمرون فيها ما أصابوه من أنواع الخير والسراء، وألوان الرفاهية والنعماء، كما ينسون ما لحقهم فيها من أصناف البلاء والضراء، ويبقى المحسن فيها محسنا يجني في الآخرة ثمرة إحسانه، كما يجد المسيء عاقبة سوءه يوم القيامة، ومصداق ذلك ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشدِّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) رواه مسلم.

نسي المؤمن المعذب في الدنيا كل ما أصابه فيها بغمسة واحدة في الجنة، ونسي الكافر الفاجر كل النعيم الذي عاشه سنين طويلة في الدنيا بغمسة واحدة في النار.

إنها عبرة لمن اعتبر، وموعظة لمن اتعظ، من فهمها فأخذ بها نجا برحمة الله تعالى، ومن أعرض عنها فلا يلومن إلا نفسه، ويوم القيامة يجد نتيجة ذلك.

والقرآن مليء بهذا المعنى الذي دلَّ عليه الحديث، ففي سياق الآيات التي تخبر عن أحوال أهل الجنة نجد أنهم فرحون برحمة الله تعالى لهم، ومغتبطون بما نالوه من الثواب العظيم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وقد نسوا ما أصابهم في الدنيا من آلامها ومصائبها؛ ولذلك يحمدون الله تعالى على هدايته لهم إلى الإيمان والعمل الصالح الذي كان سببا في دخولهم الجنة (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) وفي آية أخرى (كلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية)

وفي مقابل ذلك يخبر القرآن عن ندم أهل النار يوم القيامة حين يرون أنواع العذاب والنكال، وأنهم يتمنون الرجوع للدنيا للعمل الصالح ولكن هيهات قد حيل بينهم وبين ذلك، وما هي إلا فرصة واحدة لا تتكرر، فما أشد بؤسهم حين يقولون (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمونا) ويقول قائلهم عند الموت (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت) ولكن لا يجابون إلى ذلك ، قال قتادة رحمه الله تعالى:(والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولا بأن يجمع الدنيا، ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل، فرحم الله امرءاً عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب)

يقفون أمام ربهم وهم في غاية الذل والانكسار، والخزيِّ والعار مما صنعوا واكتسبوا في الدنيا (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صـالحا إنا موقنون) فلا رجوع حينئذ، إنما حساب وعذاب،فخذوا - رحمكم الله تعالى - من حالهم أبلغ العبرة، وأحسن الموعظة؛ فقد قرأتم كتاب الله تعالى في أيام هذا الشهر المبارك، واستمعتم إلى آياته في تلك الليالي، وعلمتم كثيرا من أوصافهم وأحوالهم، فحذار حذار أن تسلكوا مسلكهم؛ فإن دنياهم زالت عنهم، وبقي عذابهم بأعمالهم، وما أغنت عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا نعيمهم في الدنيا من عذاب الله تعالى شيئا.

فمن أحسن فيما مضى من رمضان فليحمد الله تعالى، وليختم شهره بكثرة الاستغفار، وليثبت عقب رمضان على العمل الصالح، وليعلم أن انتهاء العمر سيكون كانتهاء رمضان، يمر سريعا ولا يبقى له إلا ما عمل فيه.

ومن أساء في رمضان، وفاته الخير والإحسان، فليبادر بتوبة صادقة يختم بها شهره، وليستغفر لما مضى من ذنبه، وليأخذ من سرعة دخول الشهر وخروجه عبرة بسرعة زوال الدنيا، وقرب رحيله هو عنها، وله عوض فيما بقي من عمره عما فاته من تحصيل الخير، وليحذر من تضييع عمره كما ضيع رمضان، فتكون عاقبته الندم والخسران.

 ايها المسلمون: ألا وإن لقبول العمل علامات، فمن علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، فأتبعوا الحسنات بالحسنات تكن علامة على قبولها، وتكميلاً لها، وتوطينًا للنفس عليها، حتى تصبح من سجاياكم وكريم صفاتكم، وأتبعوا السيئات بالحسنات تكن كفارة لها، ووقاية من خطرها وضررها: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذكِرِينَ [هود:114]. وفي الحديث الصحيح عن النبي قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))

يا أيها الأخ في الله دع عنك الغفلة والغرور, واجعل من شهر الصوم هذا بداية لحياة مليئة بالطاعة مفعمة بالخير اجعل من هذا اليوم نقطة البداية للحفاظ على الصلاة في بيوت الله, اعزم من الآن على أن لا تترك صلاةً واحدة تفوتك, انس من اليوم أنك ذلك الشخص الذي لا يستطيع أن يستيقظ لصلاة الفجر في جماعة, زكِ قلبك بالقرآن, اسكب الدموع والعبرات على ما جنت يداك في الأيام الماضية فعسى الله أن يبدل سيئاتك حسنات ولا مقارنة بين ما ارتكبت من المعاصي وسعة رحمه الله عز وجل, فرحمته وسعت كل شيء, وأقلع عن الذنوب ولا تخشى في تركها لومة لائم ولا تقل: هذا الذنب صغير.

وإن كنت ممن يأكل الربا فذرها, إن كنت ممن يأخذ الرشوة فاتركها واكتف بالحلال, ونقِ مالك من الحرام ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً فإنه سيعوضك خيرًا منها: الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز, عبد الله بعد أن ربيت نفسك في هذا الشهر على المسابقة إلى الخيرات فاستمسك بذلك, فما أجمل أن تتصف بصفات الأنبياء الذين قال الله عز وجل فيهم: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين.

ولا تلتفت أخي الحبيب المسلم إلى الذين يحبونك أن تبقى أبدًا على غير هدى من الله فانتبه أن يحجبوك عن التوبة, وانتبه أن يمنعوك عن الخير فإن الله يحب أن تتوب ويحب الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا.

إن كنت أخي ممن تعق والديك فابدأ معهما من اليوم صفحة جديدة شعارك فيه التودد إليهما والحب والدعاء لهما وتنفيذ أمرهما في غير معصية الله.

يقول الله تعالى في الحديث القدسي((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصها عليكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))مسلم

الخطبة الثانية:

أيها المسلمون: شرع الله تعالى لكم في ختام شهركم أعمالا صالحة تزكي نفوسكم، وتتمم طاعتكم، وتجبر نقص صيامكم، ومن ذلكم: زكاة الفطر التي فرضها الله تعالى طهرة للصائمين، وطعمة للمساكين، وأوجبها على على من يجد فاضلا عما يكفيه و أهله ليوم العيد و ليلته من المسلمين، من أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات كما ثبت ذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

يخرجها الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من زوج وولد ونحوهم، والأفضل للمكتسب الواجد أن يخرجها عن نفسه، وتخرج من الأصناف المنصوص عليها في الأحاديث النبوية؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب) متفق عليه.  

والأفضل أن يخرجها المسلم بين صلاة الفجر وصلاة العيد يوم العيد، وله أن يقدم إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم.

كما شرع الله تعالى لكم في ختام شهركم تكبيره عز وجل على ما هداكم للإيمان، وشكره على ما وفقكم للصيام (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) ويبدأ التكبير من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى صلاة العيد.

وأتبعوا رمضان بصيام ست من شوال؛ فإن من صامها مع رمضان كان كمن صام الدهر كله كما جاء في الحديث.واختموا شهركم بصالح أعمالكم، وأكثروا من الاستغفار، وسلوا الله تعالى القبول؛ فإن المعول عليه في الأعمال قبولها، ولا تغتروا بعملكم، ولا تسيئوا الظن بربكم، وكونوا بين الخوف والرجاء، ترجون ربكم، وتخافون تقصيركم.

You have no rights to post comments