حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر ، حدثنا مالك بن دينار قال : لما أتى عمر رضي الله عنه الشام طاف بكورها قال : فنزل بحضرة حمص ، فأمر أن يكتبوا له فقراءهم قال : فرفع إليه الكتاب ، فإذا فيه سعيد بن عامر بن جذيم أميرها ، فقال : من سعيد بن عامر ؟ قالوا : أميرنا ، قال : أميركم ، قالوا : نعم ، قال : فعجب عمر ، ثم قال : كيف يكون أميركم فقيرا ؟ أين عطاؤه ؟ فأين رزقه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئا ، قال : فبكى عمر رضي الله عنه ، ثم عمد إلى ألف دينار ، فصرها ، ثم بعث بها إليه ، وقال : أقرئه مني السلام ، وقل له : بعث بهذه إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك قال : فجاء بها إليه الرسول ، فنظر فإذا هي دنانير ، فجعل يسترجع ، قال : فقالت له امرأته : ما شأنك يا فلان ؟ أمات أمير المؤمنين ؟ قال : بل أعظم من ذلك ، فقالت : فظهر من آية ؟ قال : بل أعظم من ذلك ، قالت : فأمر من أمر الساعة ؟ قال : بل أعظم من ذلك ، قالت : فما شأنك ؟ قال : الدنيا أتتني ، الفتنة دخلت علي ، قالت : فاصنع فيها ما شئت قال : عندك عون ، قالت : نعم ، قال : فأخذ بعة له فصر الدنانير فيها صرا ، ثم جعلها في مخلاة ، ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين ، فأمضاها كلها ، فقالت له امرأته : رحمك الله لو كنت حبست منها شيئا نستعين به ؟ قال : فقال لها : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض ملأت الأرض ريح مسك " وإني والله ما كنت لأختارك عليهن ، فسكتت " (كتاب الزهد للإمام أحمد)

الخوف من الله

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 

إن الخوف من الله من المقامات العليّة وهو من لوازم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾، وقال: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي )) وروى أحمد: ((فَوَاللَّهِ إِنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ)).

 

وكلما كان العبدُ أقربَ إلى ربه كان أشدَّ خشية، فقد وصف الله الملائكة بقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾، وقال عن الأنبياء: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾.
فالخوف من الله من سماتِ المؤمنين وصفاتِ المتقين، وسبيلٌ لمن ابتغى النجاة في الآخرة.
وإذا سكن الخوفُ من الله في القلبِ أحرق مواضعَ الشهوات فيه، وطرد حُبَّ الدنيا عنه، وكلُّ قلبٍ ليس فيه خوفٌ من الله فهو قلب خَرِب.
أيها المسلمون: من فقد الخوفَ من الله خاض في المعاصي، وتملكته الشهوات، ووقع في الشبهات، وأكل الحرام، وارتكب الكبائر، وقلَّ أمْرُهُ بالمعروف ونهْيُهُ عن المنكر.
إذا فارقَ الخوفُ القلوبَ أجدبت، ثم اسودت وأظلمت وقست وتحجرت، فلا تتأثرُ بموعظة، ولا تنتفع بتذكرة؛ فما الخوف من الله إلا مفتاحٌ يفتح الله به قلوباً غُلفا، وأعيُناً عُميا، وآذَاناً صُمَّا.
عباد الله: لقد أمر الله جل وعلا بالخوف منه، وأثبت الإيمان للخائفين فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.
وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟، قَالَ: (( لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ))..
أحبتي في الله: لقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم شدةَ عذابِه وقوَّةَ بطشه وسرعةَ أخذِهِ وأليمَ عقابِه، وما أعد من العذاب والنكال لمن عصاه واتبع هواه، وذكر النار وأحوالها وأهوالها، وما فيها من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، ليعرف العبادُ ربَّهم ويعرفوا قُدرتَه، فيخشَوْهُ ويخافوه ويتقوه.
إن كتاب الله مليء بالآيات والمواعظ، ولكنْ لا يتعظُ بها إلا الخائفون، ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾.
ويرسل الله الآياتِ مع الأنبياء عليهم السلام تخويفا للعباد، قال تعالى: ﴿ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾. وكذلك الآياتُ الكونية كالبرق والرعد وغيرها، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾، وكذلك الخسوف والكسوف قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَه.
معاشر المؤمنين:
إن الخوف إذا سكنِ القلبَ أثَّرَ في الجوارح، فيُثمرُ عملاً صالحا، وقولاً حسناً، وسلوكاً قويما، وفعلاً كريما، فتخشعُ الجوارحُ، وينكسرُ الفؤادُ، ويرِقُّ القلبُ، وتزكُو النفسُ، وتجودُ العين.
ومن ثمراته العظيمة في الدنيا: أنه من أسبابِ التمكينِ في الأرض، وزيادةِ الإيمان والطُّمأنينة، قال عز وجل: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾.
كما أنه يبعث على العمل الصالح الخالص، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾.
 
وأمّا في الآخرة: فإن الخائف من الله يُؤمِّنُه الله يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ((وَعِزَّتِي لاَ أَجمَعُ على عَبْدِي خَوفَين وأَمْنَيْن إذَا خَافَنِي في الدُّنيَا أَمَّنْتُهُ يَومَ القِيَامَة، وإذَا أَمِنَنِي في الدُّنيَا أَخَفْتُهُ يومَ القِيَامَة)).
ومن ثمرات الخوف أن الخائف يستظل بظل عرش الرحمن يوم القيامة، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ...))، ((...وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))، والعين التي بكت من خشية الله إحدى العينين اللتان لا تمسهما النار.
كما أن الخوفَ من الله من أسبابِ غُفرانِ الذنوب، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَقَالَ لِلأَرْضِ أَدِّي مَا أَخَذْتِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ - أَوْ قَالَ - مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ)).
كما أنَّ الخوفَ من الله طريقٌ من طُرُقِ الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)).
اللهم إنا نسألك خشيتَك في الغيب والشهادة والعدلَ في الرضا والغضب والقصدَ في الغنى والفقر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

عباد الله: 
لقد كانت خشيةُ الله عز وجل تلازم الصالحين والأتقياءَ من عباده، لذلك كانوا يجتهدون في العمل ويُخلصون ويسألون الله القبول.
عباد الله: 
لقد أخبر الحق سبحانه وتعالى عن حال الخائفين وقد أصبحوا في الجنة وهم يذكرون حالهم في الدنيا: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾.
فالخائفون هم أهل القلوب الوجلة، ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾، وهم أهل الخشية، ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .
فيا من تخافُ الله عز وجل: تذكَّرْ قبل المعصية: أنه سبحانه وتعالى يراكَ ويعلمُ ما تُخفي وما تُعلن، وأن الملائكةَ تُحصي وتكتب، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾.

وتذكَّر لحظةَ الموتِ ورُوحُكَ تُجْذَبُ جذباً شديدا، وأنت تتمنى أن تتوب إلى الله وتُصلي ولو ركعة، أو تقرأ آية.
تذكر القبر وظُلمَتَه وعذابَه، فهو إمَّا روضةٌ من رياضِ الجنةِ أو حفرةٌ من حُفَرِ النار.
تذكر يوم يُحشرُ الناسُ حفاةً عراةً غُرلا.
تذكر يوم تتطايرُ الصحف فآخِذٌ كتابَهُ بيمينه وآخِذٌ كتابه بشماله.
تذكر يوم تدنُو الشمسُ من الرؤوسِ قَدْرَ مِيلٍ ويعرقُ الناسُ على قَدْرِ أعمالهم فمنهم من يصل العرقُ إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى رُكبتيه، ومنهم من يصل إلى حِقويه، ومنهم من يُلجِمُه العرقُ إلجاماً والعياذ بالله.

تذكر يومَ تشهدُ عليك أعضاؤُك، تذكر الصراطَ وزلَّتَه، تذكر وقُوفَك بين يدي الله عز وجل وليس بينك وبينه ترجمان، تذكر النارَ وقعرَهَا وشدةَ حرِّها وعذابَ أهلِها.
تذكر أن الذنوبَ تؤدِي إلى قِلِّةِ التوفيقِ، وحرمانِ العلمِ والرزقِ، وضيقِ الصدرِ وقِصَرِ العُمُر، وموتِ الفجأةِ، وذهابِ الحياء والغَيْرَة، وأعظمُ عقوباتِها أنها تُورثُ القطيعةَ بين العبدِ وربِّه، وإذا وقعتِ القطيعةُ انقطعت عنه أسبابُ الخير واتصلت به أسبابُ الشر.
أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الإيمان الصادق، والعمل الصالح، وأن يُبلِّغَنا الدرجاتِ العُلاَ من الجنة.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

You have no rights to post comments