(كتاب الزهد للإمام أحمد)

الغلو في الدين... بذوره وأشواكه (الحلقة 1)

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

الغلو عموما هو الخروج عن الاعتدال والإفراط في الشيء ومجاوزة الحد، أما الغلو في الدين فهو مجاوزة ما حده الله وشرعه، وهو عكس التفريط فيه، سواء في العقائد أم العبادات أم المعاملات.. الخ، وهو سلوك مذموم وخلق مكروه وتصرف مَشين، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" رواه النسائي وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني.
وما أعنيه في هذه السطورهو غلو بعض المسلمين المتحمسين عند التعامل مع المخالفين للدين، من مسلمين ومن غيرهم، ويبرز ذلك بوضوح في إنكار المنكر وردود الأفعال المغالية لأولئك المتحمسين تجاه كل من يعادي دعوتهم أو يعرض عنها، بما فيهم من لم تصله على الوجه الذي تقام به الحجة، ولا يسع المقام لسرد كل ما جاء في شرعنا من شروط التعامل مع المخالفين، التي ترفض وتنهى عن الغلو بأشكاله كافة، وما أريد بيانه وإجلاءه هو النتائج الوخيمة للغلو في هذا الشأن، فباكورة حصاده المرّهي تشويه صورة المسلمين ونفور الآخرين منهم ومن دينهم، وقد اشتهرت بين الناس، خصوصا الغربيين، المقولة الإنجيلية التي تُنسب للمسيح: "من ثمارهم تعرفونهم".

زُرع هذا النوع من الغلو في الدين في أرض الإسلام، فأينعت "ثماره" المسمومة في كل زاوية من زواياها، إنه حصاد مُريَعب منه المسلمون عبا، وغلال علقم تتجرعها الأمة لحد التخمة، ومن حق الواحد منا أن يتساءل عمّن كان وراء هذا الزرع الفاسد الكاسد؟ ومن ألقى ببذرته في التربة؟ ومن سقاها ورعاها وتعاهدها حتى آتت أكلها؟ ثم ترك أرضها مشاعة يقطف من شوكها الخبيث كل غاد ورائح؟
كثيرون ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة - وأنا واحد منهم - سيتبرعون بالقول: إنهم الماكرون من اليهود الصهاينة والصليبيين النصارى والشيوعيين الملاحدة والعلمانيين...، أي بالمختصر المفيد، كل عدو للإسلام والمسلمين، ولا يُنكر هذه المسلَّمة أو يجحد هذه البديهية إلا جاهل غارق في جهالته أو مـتآمر يريد إبعاد التهمة عن حزبه وعصابته.
لكن أليس هذا نوعا من تعليق الأوزار والموبقات على غيرنا؟ أليس هذا مخرجا بل مهربا للتنصل من مسؤولياتنا، كأن ما يحدث لنا هو مجرد مكيدة خارجية من بدايتها إلى منتهاها لا نتحمل فيها سببا ولا علة البتة؟
إن أكثر المسلمين لا يريدون إطلاقا تحمل أدنى مسؤولية عن مصائبهم، وينبري بعضهم لاتهام الغربيين كلهم لتبنيهم تجاهنا "الإسلاموفوبيا" نهجا ومنهجا، ويعتقد أن ذلك المنهج الفكري نابع عن حقد دفين وكره قديم للحق والخير، وأن الغرب لن يرضى عنا ما لم نتبع ملته، وهي في الحقيقة كلمة حق أُريد بها باطل، فنحن لا يخفى علينا العداء السرمدي بين الحق والباطل، والصراع الأبدي بين الخير والشر، لكن أخشى أن يكون هذا المنطق الذي تجاوز مداه، قد بات آلية من آليات إلقاء إخفاقاتنا على الأخر وعلى الغرب بتنوعاته الإيديولوجية كافة.
ونحن إذ نتبنى هذا النمط من التأويل الحدي المفرط لفهم أسباب الغلو المقيت وتبعاته المشينة، نقع في غلو آخردون أن نشعر، فإذا كان التعريف الذي أرتضيه للغلو هو كل ما تجاوز الكتاب والسنة، فإن التفسير الذي يؤمن بالمؤامرة سببا وحيدا فريدا لحالنا المزرية، هو غلو سافر من حيث إنه يخالف نصوص الإسلام، فالقرآن الكريم يجمع في تعليل مصائبنا بين المؤامرة الخارجية والمسؤولية الداخلية، فمثلا من بين النصوص التي تؤكد على تآمر أهل الباطل على الإسلام والمسلمين قول الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ الأنفال: 30، وقوله تعالى:﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ الطارق: 15، وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ نوح: 22، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ إبراهيم: 46.
وفي المقابل فإن النصوص التي تُحمل المؤمنين مسؤولية رزاياهم كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمران: 165، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ الشورى: 30 ... الخ.
ولا يفيدنا الإنكار، وقد وقع بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم جميعا ـ على جلالة قدرهم بسبب اجتهاد خاطئ أو غفلة في بعض الغلو، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم بالمرصاد يعلم ويرشد ويبين، ومن الشواهد على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ»، فغلو صحابي في الصلاة، وليس في تكفير أو سفك دم حرام، كان سببا في نفور صحابي مثله، فما بالك بالغلو الذي يرتكبه جاهل ضد معاد أو محايد تجاه الإسلام والمسلمين بأنواع الإيذاء الشديدة وأشكال الانتهاك الوبيلة!؟
"إن منكم منفرين" نعم! هذه حقيقة، و"إنا منا غلاة" وهذه حقيقة أخرى، والحقيقة الثانية سبب في الحقيقة الأولى، وسنذكر بعد حين أمثلة واقعية لكليهما، وهي تكشف أن بعض بذور الانحراف زرعناها بأناملنا وسقيناها بسواعدنا بدوافع عديدة وحجج شتى، والغلو في الدين درجات ومستويات، فقد يكون تفجيرا يحصد الآلاف من الأبرياء، أو ذبحا مُصَورا لمخالف في الرأي على قارعة الطريق، كما قد يكون نظرة شزر أو عُبوس وجه أو حتى مجرد إعراض عن مصافحة ورد سلام... ومهما كان مستوى التعبير عن الغلو فإن حصاده المر هو تنفير الآخر عن الدين وتشويه سمعته بالكلية وفي أقل الأحوال الإساءة إلى صاحبه نفسه..... (يتبع)

You have no rights to post comments