حدثنا عبد الله ، حدثنا أبو معمر ، حدثنا سفيان ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن طلق قال : أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله عز وجل ، قال عبد الكريم : وكان طلق كذلك ، قال عبد الكريم : قال طلق : إني لأشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي ، وكان طلق يفتح البقرة فلا يركع حتى يبلغ العنكبوت " (كتاب الزهد للإمام أحمد)

العين حق

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أيها الناس، الحسد والتحاسد مجمع الآفات، ومستنقع الشرور والرذائل؛ إذ ما دخل الحسد في شيء إلا أفسده، وإن من سهام الناس القاتلة التي تهلك بسبب الحسد هي الإصابة بالعين، وما أدراكم ما الإصابة بالعين؟! إنها نظر باستحسان مشتملة على حسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر، يقال: أصابت فلانا عين، إذا نظر إليه عدو أو حسود، فأثرت فيه فمرض بسببها.

بذلكم ـ عباد الله ـ بين أهل العلم حقيقة العين، وبها تعلمون أن العين، إنما هي جمرة مشتعلة من حطب الحسد، ابتلي بها الكثيرون على حين غفلوا عن الأدعية الشرعية، التي هي الأمان بإذن الله، فهلكت أجساد من جرائها، ولقد صدق رسول الله إذ يقول: ((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين)) [رواه البخاري في تاريخه والبزار في مسنده [1] ، وهو حديث حسن].

 و قد تكون العين مع الاستحسان والإعجاب والاستعظام لشيء بلا كراهية أو بغض.

عباد الله، العين حق لا مماراة فيها، ثابتة بالكتاب والسنة وبواقع الأمم المتكررة، يقول الله ـ جل وعلا ـ لنبيه وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم:51]. أي يعينُونك بأبصارهم، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ـ عز وجل ـ. ثم اعلموا عباد الله أن الإصابة بالعين، كانت في بني إسرائيل، وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان أحدا، يجوع ثلاثة أيام ثم يعتانه.

ومما يدل على أن العين حق ـ عباد الله ـ قول الخالق ـ جلا وعلا ـ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِن شَرّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَر النَّفَّـاثَـاتِ فِى الْعُقَدِ وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق]. قال قتادة: أي من شرعينه ونفسه، وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: كل عائن حاسد، ولما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه، استعاذة من العائن،. نعوذ بالله ـ عز وجل ـ من شره.

لقد جاءت السنة مؤكدة للقرآن ومفسرة له، ولقد قال المصطفى في ذلك: ((العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)) [رواه مسلم] [3]. والمعنى: إن طلب من أحدكم أن يغتسل لمن أصابه بالعين فليجب. وقال : ((استعيذوا بالله من العين؛ فإن العين حق)) [رواه الحاكم وابن ماجه] [4].

وقال مرة لأسماء بنت عميس: ((مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة - أي نحيفة - تصيبهم الحادة؟؟)) قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم. قال: ((ارقيهم)) قالت: فعرضت عليه فقال: ((ارقيهم)) [رواه مسلم] [6].

وما ذاك ـ يا عباد الله ـ، إلا لعظم هذا الأمر، وخطورته في المجتمع وإهلاك الأنفس به وهدم الأسر والبيوتات، مما يدل بالتأكيد على أن العين حق؟ فكفى الله المسلمين شرها.

أيها المسلمون، إن أمر العين غير خافٍ على كل ذي عقل، وهذه حال غير مستنكرة ، وإنما المستنكر ـ عباد الله ـأن يظن بعض السذج أنه ليس للعين سبيل إليهم بمجرد أن يعلق تميمة أو ودعة أو حذوة حصان، أو حروزا، ينسجها لهم أدعياء الكهانة والشعوذة، أو نحو ذلك مما لا أصل له في الدين؛ بل هو بدعة وضلال مبين، وقد قال رسول الله : ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) [رواه أحمد وأبو داود] [7].

والتمائم شيء يعلق على الأولاد من العين. وقال : ((من تعلق شيئا وكل إليه)) [رواه أحمد والترمذي] [8]. والتعلق يكون تارة بالقلب كالاعتقاد في قراءة الشيخ الفلاني، أو التعلق بها من دون الله وأنها شافية أو نحو ذلك، ويكون تارة بالفعل، كمن يعلق تميمة أو خيطا أو نحوهما، لدفع العين أو الضر، ويكون تارة بهما جميعا؛ أي بالقلب والفعل.

فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إلى ربه كفاه وهداه وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله وتميمته ودوائه وكله الله إلى ضياع، فما ظنكم ـ عباد الله ـ بمن تعلق بغير الله؟ بل ما ظنكم بمن وكله الله إلى نفسه أو إلى غيره من المخلوقين؟ أترونه ناجيا أم هالكا؟! أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [الملك:22].

والله ـ سبحانه ـ هو الذي تعلق عليه الآمال وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]. وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم:12].

إن العجب كل العجب، في أولئك المصابين بالعين، حين يستبدلون الرقى الشرعية من القرآن و السنة بالعزائم الشركية ، جاهلين أو متجاهلين، خطورة هذا المسلك والهوة السحيقة التي تقذفهم إليها تبعاته.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ: "نهى علماء الإسلام عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك"، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى مالم يكن فيه شرك )) [رواه مسلم] [9].

 و كل اسم مجهول، لا يجوز لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به، وأما جعل الألفاظ الأعجمية أو الحروف المقطعة شعارا للرقى، فليس من دين الإسلام، لكن كثيرا من الناس في هذا العصر، قد انحرفوا عن الصواب، فجمهورهم قد أسلموا عقولهم لأيادي الشعوذة و الضلال، التي لبست قناع التدين واستطاعت من وراء هذا القناع، أن تخدع كثيراً من ضعاف النفوس بسبب تخلفهم،

فإذا عباد الله يستخلص من ذلك أن الرقى تكون مشروعة إذا تحقق فيها شروط ثلاثة: أولها: أن لا يكون فيها شرك ولا معصية؛ كدعاء غير الله أو الإقسام بغير الله . وثانيها: أن تكون بالعربية وما يعرف معناه. وثالثها: أن لا يعتقد كونها مؤثرة بنفسها بل إنها سبب بإذن الله.

وبعدُ ـ عباد الله ـ، فإن كون العين حق، أمر ثابت شرعا وواقعاً وعقلا، وحينما تظهر أمامنا هذه الحقيقة جلية، فإن من الأخطاء الشائعة، والبلايا المعقدة أن يصبح المرض بالعين شبحا مروعا أو هاجسا متدليا إلى الذهن عند كل ألم، أو نكسة نفس، حتى يصل الأمر بذلك إلى درجة الوهم لدى الناس، فإذا ما عطس امرؤ قالوا: هذه عين، وإذا أخذته سعلة قالوا: إنها العين، وإذا ما أصيب أو ابتلي قالوا: يالها من عين! حتى لقد أخذ الوهم من البعض مأخذه، يمشي وأمامه العين، وينام كذلك ويصبح كذلك، وهذا هو الداء العُضَال؛ إذ لا يزيد الوهم إلا وهنا.

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وبادروا بالرقى والأذكار الشرعية إصابات العين، وليتق الله العائن وليذهب من قلبه الحسد إن وجد، وإلا فليطفئ نار إعجابه بالشيء بذكر الله ـ سبحانه ـ، وليدفع شر عينه بقوله: (اللهم بارك عليه) كما قال النبي لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: ((ألا بركت)) [10] ؛ أي قلت: اللهم بارك عليه.

أعاذنا الله وإياكم بكلماته التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 

_________

الخطبة الثانية

_________

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه، ومن تبعهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أنه لا بأس على المرء، في أن يتحرز من العين، بستر محاسن من يخاف عليه العين قال صلى الله عليه و سلم: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود .

 و لقد قال ـ سبحانه ـ عن يعقوب ـ عليه السلام ـ: وَقَالَ يبَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَ?دْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ ?للَّهِ مِن شَىْء إِنِ ?لْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُتَوَكّلُونَ [ يوسف:67]. قال ابن عباس وغيره: (إنه خشي عليهم العين)؛ وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، فإن العين حق، تستنزل الفارس عن فرسه، وهذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه؛ فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع؛ ولذا قال يعقوب: وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَىْء [يوسف:67].

وكان رسول الله يعوذ الحسن والحسين يقول: ((أعيذكم بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة )) ويقول: ((هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ)) [رواه البخاري وأصحاب السنن] [1].

وبعد ـ عباد الله ـ، فإن العين داء عضال، ونار آكلة لم يهمل الشارع الحكيم جانبها، بل بينها ووضحها، وأبدى للناس علاجها، وإن من أعظم ما يزيل العين والسحر بأمر الله: الرقية الشرعية من الكتاب والسنة،

والرقية ـ عباد الله ـ تكون بآيات القرآن، كالفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وغيرهما من آيات القرآن الذي أنزله الله هدى وشفاء، وكذا بالأدعية النبوية الثابتة عن المصطفى كتعويذه للحسن والحسين، وكرقية جبريل له بقوله: ((بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك باسم الله أرقيك)) [رواه مسلم] [3].

ومن أدوية العين الناجعة، ما ذكرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ بقولها: (كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين) [رواه أبو داود] [4].

و أعظم ما يحفظ من العين عباد الله تقوى الله عز و جل و البعد عن المحرمات و القيام بالواجبات الشرعية قال صلى الله عليه و سلم احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك

You have no rights to post comments