حق الطريق

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ

إقرأ المزيد...

زهد السلف

حدثنا عبد الله ، حدثنا أبي ، حدثنا حجاج ، أنبأنا جرير ، عن سليمان بن شرحبيل ، عن أبي أمامة ، أنه قال : اقرءوا القرآن ولا يغرنكم المصاحف المعلقة فإن الله عز وجل لا يعذب قلبا وعاء للقرآن " (كتاب الزهد للإمام أحمد)

تفسير سورة الغاشية

كتب بواسطة: بلال on . Posted in القُرْآنُ وَعُلُومُهُ

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 

هي مكية بالاتفاق ، نزلت بعد سورة الذاريات وقبل سورة الكهف . وآياتها ست وعشرون .

 

تسميتها:

- سميت في المصاحف والتّفاسير ( سورة الغاشية ) . وكذلك عنونها التّرمذي في كتاب التفسير من ( جامعه ) لوقوع لفظ ( الغاشية ) في أولها .

- وثبتت في السنة تسميتها ( هل أتاك حديث الغاشية ) ، ففي ( الموطأ ) أنّ الضحاك بن قيس سأل النّعمان بن بشير :( بم كان رسول الله يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة ؟ قال : ( هل أتاك حديث الغاشية) ، وبذلك عنونها البخاري في كتاب التّفسير من ( صحيحه ) .

- وربما سميت ( سورة هل أتاك ) ، وبذلك عنونها ابن عطية في ( تفسيره ) وهو اختصار .

مناسبتها لما قبلها:

إثبات الدّار الآخرة التي الغاشية مبدؤها ، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى ، والدّلالة على القدرة عليها.

أغراضها:

- بيان أحوال طائفتين من النّاس: الطائفة الأولى هم أهل الوجوه الخاشعة الذين حقّ عليهم العذاب ، والطّائفة الثّانية هم أهل الوجوه النّاعمة الذين أعدّ الله لهم النّعيم المقيم.

- الإِنكار على قوم لم يهتدوا بدلالة مخلوقاتٍ من خلق الله وهي نُصْبَ أعينهم ، على تفرده بالإِلاهية.

وعلى إمكان إعادته بعض مخلوقاته خلقاً جديداً بعد الموت يوم البعث .

- وتثبيتِ النّبي e على الدّعوة إلى الإِسلام وأن لا يعبأ بإعراضهم .

- وأن وراءهم البعث فهم راجعون إلى الله فهو مجازيهم على كفرهم وإعراضهم.

 قال تعالى: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } [الغاشية:1].

هل ) هنا بمعنى: ( قد )، فالمعنى: أي قد جاءك يا محمد e حديث الغاشية.

( حَدِيثُ ) المراد به هنا: الخبر؛ خبر الغاشية ، فكلمة ( الحديث ) لها عدة معان ، فالقرآن حديث ، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر:23] فأطلق على القرآن حديثاً ، وحديث رسول الله e حديث ، وكلام النّاس حديث ، فالحديث يطلق على الكلام ، ويطلق على الخبر.

(الغَاشِيَةُ ): -  اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ القِيَامَةِ لأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ بِأَهْوَالِهَا وَتَعمُّهُمْ . [والسّياق يدل على ذلك]

-       وقيل أن المراد بالغاشية: النّار ، ومستند هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾[إبراهيم:50] تغشى أي: تغطي على وجوه الكافرين.

-       وقيل - جمعا بين القولين- إن الغاشية هي النار وهي القيامة معاً ، قاله الطبري في تفسيره:" والصّواب من القول في ذلك أن يقال : إنّ الله قال لنبيه e:﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ لم يخبرنا أنّه عنى غاشية القيامة ، ولا أنّه عنى غاشية النّار. وكلتاهما غاشية ، هذه تغشى النّاس بالبلاء والأهوال والكروب ، وهذه تغشي الكفار باللّفح في الوجوه، والشُّواظ والنّحاس".

 

قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ } [الغاشية:2]

خاشعة : ذليلة خاضعة من الخزيّ .

في ذلك اليوم تكون وجوه الكافرين المجرمين ذليلة خاشعة ، يعلوها الخزيّ والذّل وتبدو عليها آثار الهوان والانتكاس ممّا ترى من الهول ، كما قال - تعالى - : ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ [الشورى: 45].

 قال تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } [الغاشية:3]

ناصبة : متعبة في عملها .

وقد اختلف في زمن العمل والنّصب هذين ، هل هو في الدنيا أم هو واقع منهم في الآخرة ؟ :

-       فالذّين قالوا هو كان منهم في الدنيا ، أي: هؤلاء الكفار الذين خشعت وجوههم ، وعلاها الذل والهوان ، كانوا في حياتهم الدنيا يعملون ويجتهدون في أعمالهم ، لكنهم لم ينتفعوا بأعمالهم عند الله تعالى ، لأنهم لم يكونوا مؤمنين ، ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله . وعن علي t أنهم أهل حروراء ؛ يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول اللّه e فقال: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرميَّة..." الحديث

-       والذين قالوا سيقع منهم يوم القيامة ، أي: أنّه عمل ونصب في النّار من جرّ السلاسل - عياذاً بالله- وصعودهم وهبوطهم الوهاد والوديان ، كما في قوله تعالى : ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ ، وقوله :﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾.

أما الراجح من القولين في زمن ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ أهو في الدّنيا أم في الآخرة ؟ فإنّه القول بيوم القيامة ، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة ، والأدلة على ذلك من نفس السّياق ،  ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد جداً في هذا الترجيح.

 قال تعالى: { تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [الغاشية:4]

تَصْلَى ) أي: تذوق ، أو ترد ، أو تدخل.

 أي : أن هذه الوجوه تشوى بالنّار الحامية يوم القيامة .

حامية ) فقد قال النبي e: « ناركم التي توقِدون ، جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم ».

 قال تعالى: { تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } [الغاشية:5]

عَيْنٍ آنِيَةٍ ) فالعين: معروفة ، أما الآنية ، فهي التي بلغ الماء فيها أعلى درجات الحرارة. قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والسُّدِّي.

فإذا عطش أهل النّار ، وطلبوا ما يطفىء ظمأهم ، جيئ لهم بماء من عين ماء بلغ من الحرارة غايتها ، فهو لا يطفئ ظمأهم.

كما قال تعالى: ﴿ وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ [الكهف: 29]. هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها وتساقط لحمها ، وإذا دخل في أجوافهم قطعها ، يقول عز وجل: ﴿ وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعائهم ﴾ [محمد: 15].

 قال الله تعالى: { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ } [الغاشية:6]

وإذا طلبوا الطعام جيئ لهم بالضريع ، وهو نبات كالشوك مر منتن [ يعرفه العرب ، وهو سمٌ من السموم ، يمزق الأمعاء في الدنيا ، لكن ضريع الآخرة أشد ] ، لا يشبع من جوع ، ولا يسمن .

 قال الله تعالى: { لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } [الغاشية:7]

وَعَرَّفَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الضَّرِيعَ بِأَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِيهِ ، وَلاَ فَائِدَةَ مِنْهُ ، فَهُوَ لاَ يُسْمِنُ ، وَلاَ يُغْنِي ، وَلاَ يُشْبعُ مِنْ جُوعٍ .

 *       ثم ذكر الله عز وجل القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية

 قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ }

أي ذات نعمة ف ظهر عليها ذلك في البَهْجَة والحُسْن والنَضَارَة.

وهي وجوه المؤمنين ؛ نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. وبما أعطاها الله عز وجل من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها علمت ذلك وهي في قبورها ، فإن الإنسان في قبره ينعم ، فهي بذلك ناعمة.

 قال تعالى: { لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } [الغاشية:9]

-       والمراد بالسّعي: العمل الذي عملته في الدّنيا تتقرب به إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء:19].

-       ومن العلماء من قال قولاً آخر ، فقال: إن معنى: ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ أي: أنها راضية بالثواب الذي أعطاه الله لها مقابل السعي ، وراضية بالأجر الذي أعطيته مقابل هذا السعي ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يقول الله يوم القيامة لأهل الجنة: يا أهل الجنة ! هل تريدون شيئاً أزيدكم ؟! فيقولون: يا ربنا! وهل فوق ما أعطيتنا ؟ ألم تبيض وجوهنا ، ألم تجرنا من النار ، فيقول الله سبحانه: أحلل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً » الحديث.

قوله تعالى: { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } [الغاشية:10]

الجنّة ): هي دار النّعيم التي أعدّها الله عزّ وجل لأوليائه يوم القيامة ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17].

عالية ): العلو ضد السّفول فهي فوق السّماوات السّبع.

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) بيان لسموِّ مكانتهم . أي : هم كائنون في جنّة عالية ، مرتفعة المكان والمكانة ، فقد وصفت الجنّة بالعلوّ ، للمبالغة في حسنها وفي علوّ منزلتها.

*        ثم وصف - سبحانه - هذه الجنّة بجملة من الصّفات الكريمة فقال :

 قوله تعالى: { لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً } [الغاشية:11]

أي: لا يسمع في الجنّة التي هم فيها كلمة لغوٍ. كما قال: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا ﴾ [مريم:62] وقال: ﴿ لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ﴾ [الطور:23] وقال: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ [الواقعة: 25 ، 26]

فكل ما فيها سلام ، وذكر لله ؛ كل ما فيها تسبيح، وتحميد ، وتهليل ، وتكبير ، يلهمون التّسبيح كما يلهمون النّفس.

 قوله تعالى: { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } [الغاشية: 12]

يجري ماؤها ولا ينقطع.

وفي الآية الأخرى: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [الرحمن:50]، وفي الثالثة: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [الرحمن:66]، فهناك عينٌ وعيون، وكلٌ في النّعيم بحسب عمله.

 

[1] - أخرج الإمام أحمد والبزار وابن مردويه عن علي - كرم الله تعالى وجهه- قال كان رسول الله e يحب هذه السورة: "سبح اسم ربك الأعلى" ، وجاء في حديث أخرجه أبو عبيدة عن أبي تميم أنه e سماها:" أفضل المسبحات" . وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت:"كان النبي e يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: "سبح" وفي الثانية "قل يا أيها الكافرون" وفي الثالثة "قل هو الله أحد" و"المعوذتين" . وفي حديث أخرجه المذكورون وغيرهم إلا الترمذي عن أبي بن كعب t نحو ذلك بيد أنه ليس فيه المعوذتان ، وأخرج ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أن رسول الله e كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة "سبح اسم ربك الأعلى" و"هل أتاك حديث الغاشية" وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا . وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الحرث قال آخر صلاة صلاها رسول الله e المغرب فقرأ في الركعة الأولى بـ "سبح اسم ربك الأعلى" وفي الثانية بـ "قل يا أيها الكافرون".

[2] - وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } قال: سبحان ربي الأعلى.

[3] - { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق:39] أي: صل صلاة الفجر وصلاة العصر على قول جمهور المفسرين. ومنه: قول ابن عمر : لو كنت مسبحاً لأتممت ، أي: لو كنت مصلياً صلاة النافلة في السفر لأتممت صلاتي ولم أقصرها في السفر.

[4] - أخرجه ابن عساكر والسيوطي في جمع الجوامع.

2-  صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 248 ، وكذلك : صحيح مسلم ،ج 2 ، ص 43 .

 

You have no rights to post comments

High Quality Free Joomla Templates by MightyJoomla | Design Inspiration FCT