(كتاب الزهد للإمام أحمد)

تفسير سورة الغاشية

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 

هي مكية بالاتفاق ، نزلت بعد سورة الذاريات وقبل سورة الكهف . وآياتها ست وعشرون .

 

تسميتها:

- سميت في المصاحف والتّفاسير ( سورة الغاشية ) . وكذلك عنونها التّرمذي في كتاب التفسير من ( جامعه ) لوقوع لفظ ( الغاشية ) في أولها .

- وثبتت في السنة تسميتها ( هل أتاك حديث الغاشية ) ، ففي ( الموطأ ) أنّ الضحاك بن قيس سأل النّعمان بن بشير :( بم كان رسول الله يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة ؟ قال : ( هل أتاك حديث الغاشية) ، وبذلك عنونها البخاري في كتاب التّفسير من ( صحيحه ) .

- وربما سميت ( سورة هل أتاك ) ، وبذلك عنونها ابن عطية في ( تفسيره ) وهو اختصار .

مناسبتها لما قبلها:

إثبات الدّار الآخرة التي الغاشية مبدؤها ، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى ، والدّلالة على القدرة عليها.

أغراضها:

- بيان أحوال طائفتين من النّاس: الطائفة الأولى هم أهل الوجوه الخاشعة الذين حقّ عليهم العذاب ، والطّائفة الثّانية هم أهل الوجوه النّاعمة الذين أعدّ الله لهم النّعيم المقيم.

- الإِنكار على قوم لم يهتدوا بدلالة مخلوقاتٍ من خلق الله وهي نُصْبَ أعينهم ، على تفرده بالإِلاهية.

وعلى إمكان إعادته بعض مخلوقاته خلقاً جديداً بعد الموت يوم البعث .

- وتثبيتِ النّبي e على الدّعوة إلى الإِسلام وأن لا يعبأ بإعراضهم .

- وأن وراءهم البعث فهم راجعون إلى الله فهو مجازيهم على كفرهم وإعراضهم.

 قال تعالى: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } [الغاشية:1].

هل ) هنا بمعنى: ( قد )، فالمعنى: أي قد جاءك يا محمد e حديث الغاشية.

( حَدِيثُ ) المراد به هنا: الخبر؛ خبر الغاشية ، فكلمة ( الحديث ) لها عدة معان ، فالقرآن حديث ، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر:23] فأطلق على القرآن حديثاً ، وحديث رسول الله e حديث ، وكلام النّاس حديث ، فالحديث يطلق على الكلام ، ويطلق على الخبر.

(الغَاشِيَةُ ): -  اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ القِيَامَةِ لأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ بِأَهْوَالِهَا وَتَعمُّهُمْ . [والسّياق يدل على ذلك]

-       وقيل أن المراد بالغاشية: النّار ، ومستند هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾[إبراهيم:50] تغشى أي: تغطي على وجوه الكافرين.

-       وقيل - جمعا بين القولين- إن الغاشية هي النار وهي القيامة معاً ، قاله الطبري في تفسيره:" والصّواب من القول في ذلك أن يقال : إنّ الله قال لنبيه e:﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ لم يخبرنا أنّه عنى غاشية القيامة ، ولا أنّه عنى غاشية النّار. وكلتاهما غاشية ، هذه تغشى النّاس بالبلاء والأهوال والكروب ، وهذه تغشي الكفار باللّفح في الوجوه، والشُّواظ والنّحاس".

 

قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ } [الغاشية:2]

خاشعة : ذليلة خاضعة من الخزيّ .

في ذلك اليوم تكون وجوه الكافرين المجرمين ذليلة خاشعة ، يعلوها الخزيّ والذّل وتبدو عليها آثار الهوان والانتكاس ممّا ترى من الهول ، كما قال - تعالى - : ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ [الشورى: 45].

 قال تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } [الغاشية:3]

ناصبة : متعبة في عملها .

وقد اختلف في زمن العمل والنّصب هذين ، هل هو في الدنيا أم هو واقع منهم في الآخرة ؟ :

-       فالذّين قالوا هو كان منهم في الدنيا ، أي: هؤلاء الكفار الذين خشعت وجوههم ، وعلاها الذل والهوان ، كانوا في حياتهم الدنيا يعملون ويجتهدون في أعمالهم ، لكنهم لم ينتفعوا بأعمالهم عند الله تعالى ، لأنهم لم يكونوا مؤمنين ، ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله . وعن علي t أنهم أهل حروراء ؛ يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول اللّه e فقال: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرميَّة..." الحديث

-       والذين قالوا سيقع منهم يوم القيامة ، أي: أنّه عمل ونصب في النّار من جرّ السلاسل - عياذاً بالله- وصعودهم وهبوطهم الوهاد والوديان ، كما في قوله تعالى : ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ ، وقوله :﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾.

أما الراجح من القولين في زمن ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ أهو في الدّنيا أم في الآخرة ؟ فإنّه القول بيوم القيامة ، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة ، والأدلة على ذلك من نفس السّياق ،  ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد جداً في هذا الترجيح.

 قال تعالى: { تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [الغاشية:4]

تَصْلَى ) أي: تذوق ، أو ترد ، أو تدخل.

 أي : أن هذه الوجوه تشوى بالنّار الحامية يوم القيامة .

حامية ) فقد قال النبي e: « ناركم التي توقِدون ، جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم ».

 قال تعالى: { تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } [الغاشية:5]

عَيْنٍ آنِيَةٍ ) فالعين: معروفة ، أما الآنية ، فهي التي بلغ الماء فيها أعلى درجات الحرارة. قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والسُّدِّي.

فإذا عطش أهل النّار ، وطلبوا ما يطفىء ظمأهم ، جيئ لهم بماء من عين ماء بلغ من الحرارة غايتها ، فهو لا يطفئ ظمأهم.

كما قال تعالى: ﴿ وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ [الكهف: 29]. هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها وتساقط لحمها ، وإذا دخل في أجوافهم قطعها ، يقول عز وجل: ﴿ وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعائهم ﴾ [محمد: 15].

 قال الله تعالى: { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ } [الغاشية:6]

وإذا طلبوا الطعام جيئ لهم بالضريع ، وهو نبات كالشوك مر منتن [ يعرفه العرب ، وهو سمٌ من السموم ، يمزق الأمعاء في الدنيا ، لكن ضريع الآخرة أشد ] ، لا يشبع من جوع ، ولا يسمن .

 قال الله تعالى: { لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } [الغاشية:7]

وَعَرَّفَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الضَّرِيعَ بِأَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِيهِ ، وَلاَ فَائِدَةَ مِنْهُ ، فَهُوَ لاَ يُسْمِنُ ، وَلاَ يُغْنِي ، وَلاَ يُشْبعُ مِنْ جُوعٍ .

 *       ثم ذكر الله عز وجل القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية

 قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ }

أي ذات نعمة ف ظهر عليها ذلك في البَهْجَة والحُسْن والنَضَارَة.

وهي وجوه المؤمنين ؛ نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. وبما أعطاها الله عز وجل من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها علمت ذلك وهي في قبورها ، فإن الإنسان في قبره ينعم ، فهي بذلك ناعمة.

 قال تعالى: { لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } [الغاشية:9]

-       والمراد بالسّعي: العمل الذي عملته في الدّنيا تتقرب به إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء:19].

-       ومن العلماء من قال قولاً آخر ، فقال: إن معنى: ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ أي: أنها راضية بالثواب الذي أعطاه الله لها مقابل السعي ، وراضية بالأجر الذي أعطيته مقابل هذا السعي ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يقول الله يوم القيامة لأهل الجنة: يا أهل الجنة ! هل تريدون شيئاً أزيدكم ؟! فيقولون: يا ربنا! وهل فوق ما أعطيتنا ؟ ألم تبيض وجوهنا ، ألم تجرنا من النار ، فيقول الله سبحانه: أحلل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً » الحديث.

قوله تعالى: { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } [الغاشية:10]

الجنّة ): هي دار النّعيم التي أعدّها الله عزّ وجل لأوليائه يوم القيامة ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17].

عالية ): العلو ضد السّفول فهي فوق السّماوات السّبع.

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) بيان لسموِّ مكانتهم . أي : هم كائنون في جنّة عالية ، مرتفعة المكان والمكانة ، فقد وصفت الجنّة بالعلوّ ، للمبالغة في حسنها وفي علوّ منزلتها.

*        ثم وصف - سبحانه - هذه الجنّة بجملة من الصّفات الكريمة فقال :

 قوله تعالى: { لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً } [الغاشية:11]

أي: لا يسمع في الجنّة التي هم فيها كلمة لغوٍ. كما قال: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا ﴾ [مريم:62] وقال: ﴿ لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ﴾ [الطور:23] وقال: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ [الواقعة: 25 ، 26]

فكل ما فيها سلام ، وذكر لله ؛ كل ما فيها تسبيح، وتحميد ، وتهليل ، وتكبير ، يلهمون التّسبيح كما يلهمون النّفس.

 قوله تعالى: { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } [الغاشية: 12]

يجري ماؤها ولا ينقطع.

وفي الآية الأخرى: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [الرحمن:50]، وفي الثالثة: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [الرحمن:66]، فهناك عينٌ وعيون، وكلٌ في النّعيم بحسب عمله.

 

[1] - أخرج الإمام أحمد والبزار وابن مردويه عن علي - كرم الله تعالى وجهه- قال كان رسول الله e يحب هذه السورة: "سبح اسم ربك الأعلى" ، وجاء في حديث أخرجه أبو عبيدة عن أبي تميم أنه e سماها:" أفضل المسبحات" . وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت:"كان النبي e يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: "سبح" وفي الثانية "قل يا أيها الكافرون" وفي الثالثة "قل هو الله أحد" و"المعوذتين" . وفي حديث أخرجه المذكورون وغيرهم إلا الترمذي عن أبي بن كعب t نحو ذلك بيد أنه ليس فيه المعوذتان ، وأخرج ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أن رسول الله e كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة "سبح اسم ربك الأعلى" و"هل أتاك حديث الغاشية" وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا . وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الحرث قال آخر صلاة صلاها رسول الله e المغرب فقرأ في الركعة الأولى بـ "سبح اسم ربك الأعلى" وفي الثانية بـ "قل يا أيها الكافرون".

[2] - وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } قال: سبحان ربي الأعلى.

[3] - { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق:39] أي: صل صلاة الفجر وصلاة العصر على قول جمهور المفسرين. ومنه: قول ابن عمر : لو كنت مسبحاً لأتممت ، أي: لو كنت مصلياً صلاة النافلة في السفر لأتممت صلاتي ولم أقصرها في السفر.

[4] - أخرجه ابن عساكر والسيوطي في جمع الجوامع.

2-  صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 248 ، وكذلك : صحيح مسلم ،ج 2 ، ص 43 .

 

You have no rights to post comments