البدع

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

فإن كل مسلم شهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله رغِب بإسلامه أن يسلم في الدنيا وأن يسلم في الآخرة؛ لأن لقاء الله والحساب وما يكون هنالك في الدار الأخرى أمر عظيم عظيم، فالمسلم يهرب من كل ما يشينه في إسلامه.

ولهذا كان من الواجب على كل مسلم أن يسعى في تعلم تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله والشهادة بأنّ محمدا رسول الله؛ لأن كل سعادة ستحوزها إذا حققت هاتين الشهادتين.

 

وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالتوحيد بأنواعه توحيد الإلهية بالمطابقة وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات بما تضمنته تلك الكلمة العظيمة.

وأما تحقيق شهادة أن محمدا رسول فهو في أنحاء وفي جهات:

ومنه أن لا تكون عبادة ولا تقرب إلى الله جل وعلا إلا عن طريق المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم، فالعبادة إنما هي التي شرعها المصطفى عليه الصلاة والسلام والتي سلكها وأمر بها أو دل عليها أصحابه وأمته عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رؤوف رحيم.

وقد أمره الله جل وعلا بإبلاغ الدين وبألاَّ يكتم شيئا من الدين فبلّغ الدين وبلّغ الرسالة وجاهد في ذلك، فكان مما بلَّغ أشياء مفصّلة في أمور العبادات، ومما بلّغ النهي عن أشياء مجملة نهى عنها مما لا يجوز إحداثه أو التقرب إلى الله جل وعلا به، وتلكم هي البدع في الدين.

فكان عليه الصلاة والسلام آمرا بأشياء مفصلة من أمور الخير كثيرة تكفي من أراد أن يتقرب إلى الله جل جلاله بها.

ونهى بإجمال عن كل غير تلك العبادات، فنهى عن البدع ونهى عن أن يُتقرب إلى الله جل جلاله بغير ما سنّه المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم.

ولهذا قال العلماء: معنى شهادة أن محمدا رسول الله أن يُطاع فيما أمر، وأن يُصدق فيما أخبر، وأن يُجتنب ما عنه نهى وزجر، وأنْ لا يُعبد الله إلا بما شرعه رسوله صَلَّى الله عليه وسلم.

فكل عبادة يُتعبد بها الله جل جلاله لم يكن عليها أمر المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم فهي باطلة وسالكها قد انحرف في وعبادته و قدح في تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، قد قُدِح في ذلك ونقص بمقدار تلك البدعة وربما كانت بدعة كفرية فخرج من أصل الدين والعبادة والعياذ بالله.

لهذا كانت إن أعظم آية في هذا الأمر وهي آية سورة المائدة هذه الآية لو تأملها أهل الإسلام لكفتهم عن أن يكونوا على غير السنة، قال جل وعلا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3]،

فهذه الآية فيها بيان أنّ الله جل وعلا أكمل لنا الدين قال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أي أن الدين وهو ما يتقرب به المرء إلى الله جل وعلا قد كَمُل، فإذا كان كاملا فلا مجال لإدخال بدعة في هذا لدين حتى يتقرب به إلى الله جل جلاله ولهذا قال أهل العلم: إنَّ أهل البدع ليس عندهم لهذه الآية معنى وهي قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).

وإذا كان كذلك فكل شيء أُحدث بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بعد زمنه فإنه بدعة ضلالة يدَّعي صاحبها أن الدين ناقص وأنه يريد إكماله

لهذا قال الإمام مالك: من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمدا عليه الصلاة والسلام خان الرسالة، والله جل جلاله يقول ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا?[المائدة:3]

لهذا وجب عليك أخي المسلم أن تتعرف إلى البدع:

· من جهة معناها.

· ومن جهة أسبابها.

· وتتعلم الشبهات التي أثارها أهل البدع، وما أكثرهم لا كثرهم الله جل جلاله، تتعلم تلك الشبهات والرد عليها؛ لأنه قد يأتي من يحسن البدع عندك بأنواع من التحسينات أو يلقي شبهة، فإذا كشفت الشبهة بتعلم وتعليم كنت في حيازة وحراسة من أهل البدع؛ أتباع الهوى.

· وكذلك تعرف أنواعا مما أحدثه الناس من أنواع البدع حتى إذا مرّ عليك شيء منها أو سمعت بأحد يعمل بشيء منها كنت منها على بغض وحذر.

لهذا نقول إن البدعة مأخوذة من ابتدع الشيء يعني اخترعه، تقول هذا أمر مبتدع يعني جديد مخترع ليس له مثال سابق، ولهذا قال الله جل وعلا ?بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ?([1]) يعني قد اخترعهما وأنشأهما من غير مثال سابق،

أما في  الشرع فالبدعة هي البدعة هي طريقة في الدين مخترعة على خلاف ما جاء عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بقول أو فعل أو اعتقاد يقصد بها التقرب إلى الله تعالى.

(طريقة) فمعناها أن البدعة لم تفعل مرة بل طُرقت وطرقت كثيرا، فصار أمرها مطروقا؛ يعني فُعلت كثيرا حتى صارت طريقة.

(طريقة في الدين) يعني أنها ليست في الدنيا، فإذا أحدث الناس في أمور دنياهم ما يعينهم على تحسين أمور دنياهم فليست تلك من البدع المنهي عنها؛ بل البدعة المنهي عنها في الدين، (طريقة في الدين) لأن أمر الدنيا على الإباحة لكن أمر الشريعة والعبادات المسلم يتوقف فيها حتى يأتي النص عن المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم.

(مخترعة) يعني جديدة لم يكن لها مثال سابق في عهده عليه الصلاة والسلام.

يقصد بها التقرب إلى الله تعالى. فإذن يقصد أصحاب البدع بها منافسة الطريقة الشرعية، لأنهم يريدون المبالغة في التعبد.

مرَّ ابن مسعود رضي الله عنه على قوم بعد أن أخبر عنهم في مسجد الكوفة، فإذا هم يسبحون بحصى، يأتون بحصى ويجمعون كل عشرة حصيات أو مائة حصاة، ثم يعدون سبحان الله مائة؛ واحد اثنان ثلاثة إلى آخره، فلما رآهم غضب وقال: إما أن تكونوا أهدى من صحابة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أو أن تكونوا محدثي ضلالة، هذه آنية رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لم تكسر وهذه ثيابه لم تبلَ، فكيف -يعني معنى كلامه- فكيف تحدثون ذلك مع القرب بعهد النبوة؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.

لهذا عباد الله دلت أدلة الشرع على وجوب الالتزام بالسنة، وعلى حرمة مخالفة السنة، والإتيان بالبدع يعني مخالفة الطريقة التي يُتعبد بها والتعبد لله جل وعلا بالبدع، قال الله جل وعلا ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ?[آل عمران:31]، ، والله جل وعلا لا يحب العبد إلا إذا كان عمله حسنا، قال جل وعلا ?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا?([2]) والعمل الحسن هو الذي كان خالصا صوابا. خالصا لله جل وعلا لا لغيره، صوابا على سنة المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم، وقد قال جل وعلا ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ?[الأنعام:153]، قال (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) فصراط الله واحد، سبل الضلال قال (فَاتَّبِعُوهُ) يعني اتبعوا هذا الصراط (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) فسبيل الله واحد، وأما السُّبل سبل البدع والشبهات فهي كثيرة، ولهذا فسرها مجاهد تلميذ ابن عباس فسَّر هذه الآية بقوله: هي البدع والشبهات. قال (فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

وقال جل وعلا في سورة آل عمران ?هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ?[آل عمران:7]، من هم الذين يتركون لأمر الواضح البين ويأخذون بالمشتبهات والمتشابهات؟ هم أهل الزيغ، وأهل الزيغ قال فيهم عليه الصلاة والسلام «إذا رأيتهم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم».

لهذا كان في خطبة الحاجة التي يذكِّر بها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه دائما كان فيها قوله عليه الصلاة والسلام «أما بعد فإن أحسن الحديث كلام الله -أو كتاب الله- وخير الهدي هدي محمد صَلَّى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) هذه خطة الحاجة كان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يعلمها أصحابه، يعلمهم أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، هذا تأكيد على هذا الأمر حتى لا يُحدث في الدين شيء.

ولهذا جاء في حديث العرباض بن سارية الحديث المشهور قال فيه العرباض بن سارية رضي الله عنه: وعَظَنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغة، ذَرفَت منها العيونُ، وَجِلَت منها القلوبُ فقلنا: يا رسول الله؛ كَأنّها مَوعظةُ مُوَدَّعٍ، فَأوصِنا. فأوصاهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وكان مما أوصاهم به أن قال «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا» إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ من بعدي تمسكوا بها وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» يعني لا تفكونها عظوا عليه بالنواجذ يعني بأقوى ما عندكم «وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ محدثة بدعة».

وهذه وصيته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بعد موعظته التي ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فما كان أنصحه لأمته وما كان أرأفه بأمته لا خير إلا دلهم عليه ولا شر إلا حذرهم منه، كما جاء في مسلم أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن يحذر أمته عن شر ما يخافه عليهم» وهكذا كان المصطفى عليه الصلاة والسلام.

إذن فأمر البدع أمر عظيم وجامعتها والدليل الذي يجب عليك أن يكون معك دائما في هذا الأمر هو قول المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بميزان تزن به الأمور وتزن به الأفعال قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما روته عائشة وأخرجه صاحبا الصحيح «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي رواية لمسلم وعلقه البخاري في صحيحه «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

 

 

[أسباب البدع]

إذن إذا كان الأمر كذلك والبدع بهذا الشأن وهذه الأدلة التي جاءت فيها، فلم أحدثت البدع؟ المسلمون يحبون الخير ويحبون نبيهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فما أسباب حدوث البدع؟ ولم حدثت البدع في هذه الأمة؟

أول أسباب حدوث البدع الجهل بالسُّنن: إذا جهل المرء الذي بالسنة فإنه بجهله هذا يأتيه الشيطان من جهته ويحبب له الخير بشيء مبتدَع، مثل ما قال أولئك لابن مسعود: يا ابن مسعود ما أردنا إلا الخير. ما أرادوا إلا الخير، وإذا كانوا ما أرادوا إلا الخير فالأمر جائز، وهذا ليس بصواب.

إذن فأهم أسباب البدع أن المحُدث لها يقول ما أردنا إلا الخير وهو جاهل بالسنة.

ما سمعنا مبتدعا يقول: أنا أردت مخالفة السنة. ما أحد يقول أنا أردت مخالفة السنة. كلهم يقولون ما أردنا إلا الخير. نحن نبغي التقرب إلى الله، كيف تقول إن هذا الفعل كذا وكذا وتنهى عنه هو صالح، اجعل الناس يتذكرون، اجعل الناس يعبدون، اذهب إلى الفسقة إلى الفجرة وانههم، أما الذين يريدون الخير فاجعلهم يتعبدون لأنهم ما أرادوا إلا الخير.

هل كل مريد للخير يحصله؟ لا، لابد أن يكون على هذا الطريق وهو طريق المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ?[الأنعام:153].

السبب الثاني من وجود البدع واستمرار البدع الهوى والتقليد؛ فتجد أن الذي استمر على البدع وعمل بها إذا سألته: هل فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الشيء؟ فيقول شيخنا قال كذا، وهذا كان في قريتنا وبلدنا، قد فعله أجدادنا و هكذا، فيأتيه الهوى ويأتيه التقليد يأتيه التعصب فيجعله ينتصر لهذا الأمر الباطل، ولم ينتصر إلى سنة النبي العدنان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ هذا سبب مهم.

من الأسباب لإحداث البدع ولبقائها ولانتشارها الاستحسان العقلي في مقابلة النص الشرعي: فالدين كامل فلا يجوز أن تستحسن فيه بالعقل في عبادة؛ لأن العبادات في الأصل لا تعلم عللها، لا يعلم لم جُعلت صلاة الظهر أربعا والمغرب ثلاثا، لم التقييد في التسبيح بكذا وكذا؟ هذه العبادات لا نعلم عللها.

فلهذا وجب أن يقتصر فيها على نص الشارع؛ لأنه لا علة معلومة فيها، ولهذا يقول العلماء العبادات هي غير معلومة العلة في الغالب، إذن من أسباب البدع الاستحسان العقلي، والشريعة كاملة والعبادات لا مجال فيها للعقل أصلا.

       وعن علي رضي الله عنه قال : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود.

[القواعد التي تعرف بها السنة والبدعة]

هناك قواعد مهمة إذا علمتها سهُل عليك القوة في أمر السنة والرد على أهل البدع.

أما القاعدة الأول منها: فهي أن الأصل في العبادات الحظر حتى يأتي الدليل، الأصل في العبادات المنع حتى يأتي الدليل بها، لم؟ لأن العبادة شُرعت على غير تعليل عقلي، فالأصل أن لا يتعبد أحد بشيء حتى يأتي الدليل به لقول الله جل وعلا ?وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا?[الحشر:7] ما آتاكم من الأقوال والأعمال والاعتقادات فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.

 

القاعدة الثانية في أصول معرفة البدع والرد على أهلها:

أنّ البدعة التي أُحدثت لو كانت خيرا لفعلها خير هذه الأمة، وخير هذه الأمة هم صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتابعوهم وتابعوهم، هم خير هذه الأمة.

شبهات تتعلق بالنهي على البدع

من هذه الشبهات: أنهم قالوا الصحابة رضوان الله عليهم فعلوا أشياء لم تكن في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما هي؟ قالوا: جمع القرآن، هل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أذن بجمع القرآن؟ هل جمع القرآن في عهده؟الصحابة أحدثوا الجمع جمع القرآن في كتاب واحد، وهو في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان مفرقا في الصحف والعظام والألواح ونحو ذلك، فجمعهم لهم تقربوا به إلى الله جل وعلا ولم يجعله أحد بدعة مذمومة، فدل على أنه وإن كان بدعة لكنه بدعة حسنة.

هذه شبهة، وهي ناتجة عن الجهل أو عدم فقه الشرع كما ذكرنا لكم في أسباب البدع.

الله جل وعلا دلنا في كتابه على أن القرآن سيكون كتابا، فقال جل وعلا ?الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ?[البقرة:1-2]، الكتاب إشارة إلى أي شيء؟ الكتاب اسم للمجموع، وقال?تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ?[الحجر:1]، (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في عهده لم يكن ثمة مصحف مجموع في شيء واحد، قال فيما رواه مسلم في الصحيح يعني نهى عن أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو أين المصحف؟ أين الكتاب؟ الذي قال الله فيه (ذَلِكَ الْكِتَابُ)؟ هل هو إشارة إلى اللوح المحفوظ أو الكتاب الذي سيجمع؟

فهذا فيه دليل على أنه يجب أن يجمع حتى يكون كتابا؛ ولكن في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما قام المقتضي بجمعه فيما بين دفتين لم؟ لأن الوقت يتنزل ما انتهى الوقت بعد، هل تم تنزل القرآن؟ ما تم في حياته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

ولهذا نقول في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ القرآن ينزل والآيات تنزل، فإذا كان سيجمع في مصحف واحد معنى ذلك أنه ستدخل آية في هذا الموضع وتدخل آية في ذلك الموضع، وسيكون تلاوته ليست متواترة بل ستحتاج إلى أن ينسخ مرة ثانية وثالثة بعد نزول مجموعة من الآيات أو بعض السور.

فأُخِّر جمعه لتلك الدلالة إلى ما بعد عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حتى يتم تنزل القرآن وإيحاء الله جل وعلا لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

فلهذا نقول إنه ليس لهذه الشبهة معنى؛ لأن الصحابة فعلوه من جهة الفقه في النص، ففعلوا ما دل النص بالإشارة وباللفظ على أنه يجب أن يُفعل، فهم امتثلوا الأمر الذي دُل عليه بالإشارة.

شبهة ثانية: قالوا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يقول «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، (من سن في الإسلام سنة حسنة) فهذا يدل على أن من جاء بشيء جديد ولكنه حسن فإن له أجرا. والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ثبت عنه ذلك كما رواه مسلم في صحيحه وغيره فقال (من سن في الإسلام سنة حسنة).

الجواب على ذلك: أن هذا الحديث له سبب وسببه يوضح معناه

وسببه أن قوما مجتابي النمار يعني كانت عليهم ملابس مجتابة أي محرقة أتوا إلى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فلما رآهم رق لحالهم وعُرف ذلك في وجهه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فحث على الصدقة وأمر بها، فقام رجل فقال: عليَّ يا رسول الله كذا. فلما فعل ذلك تبادر الناس وفعلو مثل فعله فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حين ذلك «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عل بها إلى يوم القيامة» معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة) يعني ترك العمل بها هي من الدين لكن ترك العمل بها مثل التصدق؛ لأنه قالها حتى تصدق ذاك فتبعه الناس على ذلك.

فالذي يبتدئ بالأمر الذي شُرع في الدين ويتبعه الناس على إحياء هذا الأمر الذي شرع في الدين يكون ذلك الفاعل الأول سن في الإسلام سنة حسنة، ما ابتدع ولكنه أحيى تلك السنة.

فإذا عرفت القواعد والتأصيلات في هذا الأمر المهم فإنك تعرف البدعة من السنة إن شاء الله تعالى.

نختم كلامنا بذكر: طائفة من البدع

من البدع المحدثة بدع متعلقة بالأزمنة:

فهناك في شهر محرم أحدثوا بدع مثل بدع الرافضة في ضرب الصدر ونحو ذلك في أيام عاشوراء يعني اليوم العاشر في محرم وفي غيره.

هناك بدع متعلقة بشهر ربيع الأول ومن أظهرها بدعة الاحتفال بالمولد، الاحتفال بيوم مولد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيجتمعون ليلته ويقرَؤون سيرته وبعض القصائد التي في مدح النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وربما كان منها ما فيه شرك أكبر بالله جل وعلا، وقد ذكرت لك فيما سبق أن أول من أحدث بدعة الاحتفال بمولد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وبالموالد جميعا من؟ الدولة العبيدية.

ومنها بدع في شهر رجب مثل بعض الصلوات فيه، وبعض العبادات التي يتقربون إلى الله جل وعلا فيها، فشهر رجب ليس له مزية عن غيره من الشهور.

ومنها بدع متعلقة بغيرها من الأشهر كشهر شوال ونحو ذلك.

هناك بدع راجعة إلى هيئات العبادة:

مثل الاجتماع على الذكر على نحو معين، تقول نجتمع على الذكر ويذكرون الله على شكل جماعي واحد، يقول: سبحان الله، والجميع: سبحان الله، سبحان الله.

هذا الفعل هيئة التسبيح في أصله مشروع لكن هذه الهيئة غير مشروعة لم؟ لأن سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ جاءت بشيئين:

· جاءت بالفعل في نفسه؛ يعني بالحكم في نفسه من حيث الفعل أو الترك.

· وجاءت بهيئة الفعل.

فجاءت بالتسبيح من حيث هو، وكذلك هيئة التسبيح أنه يكون مثلا باليد.

فثم شيئان الكيفية والهيئة، والأمر في نفسه العبادة في نفسها.

فإذا كانت الهيئة في أصلها مشروعة لابد أن تكون الهيئة مشروعة، فإذا كانت الهيئة غير مشروعة فإن ذلك من البدع التي تسمى البدع الإضافية، ولو كان أصلها مشروعا؛ لكن لما كانت الهيئة مبتدعة كان ذلك دليل عدم الجواز.

من ذلك أيضا: بعض الأذكار مثل أن يذكر الله عز وجل في أعلى المنارة؛ يعني على المناير يصلون على النبي بعد الآذان، أو يذكرون الله على المآذن على نحو ما.

أو يجتمعون في الصلاة على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على صفة ما.

هذا كله من هيئة البدع؛ لأن أصل هذه الأعمال مشروع ولكنها مبتدعة.

أعظم البدع البدع الشركية ووسائل الشرك:

ومن وسائل الشرك التي هي داخلة في البدع الاعتناء بالقبور، من البدع ومن أخطر أنواعها وسائل الشرك الأكبر، ومن ذلك العناية بالقبور، وذلك تشييدها أو تجصيصها أو التسريج عليها أو بناء الأبنية عليها أو وضع القباب عليها أو بناء المساجد عليها وهو أشدها وقد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «لَعْنَة اللّهُ على الْيَهُودَ وَالنّصَارىَ. اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».

هذه بدعة وخيمة ووسيلة من وسائل الشرك، لما حدثت في هذه الأمة آل الأمر بالناس إلى أن يعظموا ذلك المقبور، فيخترعوا له من الصفات ما تضاهى به صفات الله جل وعلا، ثم عبدوهم وتوجهوا إليهم.

كذلك من الابتداع العظيم الابتداع في أنواع الاعتقاد، الابتداع في مسائل الصفات، بأن يجعل العقل محكما في صفات الله جل وعلا، وهذه بدعة أحدثها الجهمية والمعتزلة، فإنهم جعلوا العقل محكما على الغيبيات، وجعْل العقل محكما على الغيبيات فيه تقديم العقل على ما جاء به النقل، وهذا فيه قدح صريح فيما جاء عن الله جل وعلا أو عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فإذن الواجب ألا يتعرض للصفات بتأويل يخرجها عن ظاهرها، ولا أن يتعرض لها بمجاز يخرجه عن حقيقتها فالإيمان بها على ما دله عليه ظاهرها وعلى ما دل عليه حقيقة اللفظ الافرادية أو التركيبية مع نفي المثيل عن الله جل وعلا ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ?[الشورى:11].

من البدع ما حدث في أبواب القدر من أن يُجعل الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، أو أن يجعل الإنسان مجبورا على فعله كقول غلاتهم من الجهمية، أو قول متوسط الجبرية من الأشاعرة ونحوهم.

كذلك في أبواب الإيمان ابتدعت أشياء كثيرة من أقوال الخوارج ونحو ذلك .

وزمن البدع المحدثة أيضا التي أُحدثت في الدين أن يفرق في أبواب الإمامة في الاعتقاد ما بين الإمامة العظمى والإمامة الخاصة، قال بعضهم: الإمامة العظمى لها حقوق هي التي جاءت في الحديث، وأما الإمام أو ولي الأمر إذا كان في بلد معين فهذا له السمع والطاعة، وليس له حقوق الإمامة العظمى من البيعة ونحو ذلك.

وهذه بدعة وخيمة خطيرة خالف فيها أصحابها ما أجمع عليه سلف هذه الأمة وأجمعت عليه كتب الاعتقاد مِن أن الإمام هو الذي له البيعة وله والسمع والطاعة بلا تفريق، وأن الإمامة سواء كانت خاصة أو عامة الحقوق واحدة فيها البيعة وفيها السمع والطاعة ونحو ذلك.

لهذا أجمع المسلمون على أن بيعة وإمامة أهل الأندلس للأمويين فيها صحيحة ماضية، وعلى أن بيعة من في الشرق من أهل بغداد أي العراق والحرمين ودمشق ومصر...إلى آخره، أن بيعته للعباسيين ماضية فقام إمامان هنا وهنا، وكل منهما إمامته إسلامية والبيعة منعقدة لهذا وهذا، كل بحسب محله ولم يفرقوا في هذا الأمر فيما بين الإمامة العظمى والإمامة الخاصة.

هذا والحديث في هذا الباب يطول، فالحذر الحذر ما كل سبيل فيه مخالفة السنة.

فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

وأهل البدع قال الله عز وجل فيهم ?أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءَ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ? فكل ما اخترع شيئا في الدين أو جعل شيئا في العقيدة؛ لأن العقيدة تسمى شريعة، من جعل شيئا في ذلك على غير ما عليه الأمر الأول فقد جعل نفسه شريكا لصاحب الرسالة في التشريع، وهذا والعياذ بالله من أشد ما يكون خطرًا من جهة المبتدع كذلك البدع تفرق بين الناس، ويعاقب الله الناس بالبدع يعني إذا سلكوا البدع بالتفريق بين قلوبهم وقد قال جل وعلا ?الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ?[الأنعام:159]، فهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يدخل فيهم كل من سعى في التفرقة باتخاذ طريقة في الدين مبتدعة كالطرق الصوفية المختلفة هذه الطريقة شاذلية هذه قادرية هذه نقشبندية وهذه بشتية وهذه وهذه، وكل هذا من التفريق في الدين، وسبيل المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ واحد ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ?[الأنعام:153]، فهل نقبل وصية الله جل وعلا؟ وهل نقبل وصية المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ الله الله في السنة، الله الله في الالتزام بها، الله الله في الحذر من البدع وفي الإنكار على أهلها، وفي المجاهدة في ذلك فإن ذلك من أعظم أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

You have no rights to post comments