تفسير سورة الضحى

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

سمّيت هذه السّورة في أكثر المصاحف وفي كثير من كتب التّفسير وفي ( جامع التّرمذي ) ( سورة الضّحى ) بدون واو .

وسمّيت في كثير من التّفاسير وفي ( صحيح البخاري ) ( سورة والضّحى ) بإثبات الواو .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدّت هذه السّورة حادية عشرة في ترتيب نزول السّور ، نزلت بعد سورة الفجر وقبل سورة الانشراح .

وعددُ آيها إحدى عشرة آية .

وهي أول سورة في قِصَار المفصَّل .

سبب النزول:

قد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه السّورة الكريمة روايات منها :

- ما أخرجه الإِمام البخاري ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله e فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتت امرأة - وفي رواية أنّها أمّ جميل امرأة أبي لهب - فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك . فأنزل الله - تعالى- : ﴿ والضحى . والليل إِذَا سجى . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾.

- ومنها رواه البخاري ، ومسلم ، والتّرمذي ، والنّسائي ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير - من طرق - ، عن الأسود بن قيس ، عن جُنْدُب قال: أبطأ جبريل على رسول الله e ، فقال المشركون: وُدِّع محمّد. فأنزل الله: ﴿ وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.

مناسبتها لما قبلها:

أنّه ذكر في السابقة ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴾ ولما كان سيد المتقين رسول الله عقب ذلك سبحانه بذكر نعمه عز وجل عليه.

أغراضها:

-   إبطال قول المشركين إذْ زعموا أن ما يأتي من الوحي للنبي e قد انقطع عنه .

-  وزاده بشارة بأن الآخرة خير له من الأولى على معنيين في الآخرة والأولى . وأنه سيعطيه ربه ما فيه رضاه . وذلك يغيظ المشركين .

-  ثم ذكَّره الله بما حفّه به من ألطافه وعنايته في صباه وفي فتوته وفي وقت اكتهاله وأمره بالشكر على تلك النعم بما يناسبها من نفع لعبيده وثناء على الله بما هو أهله.

 

وَالضُّحَى (1)

أقسم الله بالضّحى ، والضّحى : هو وقت اِرتفاع الشّمس بعد إشراقها ، وهو وقت النّشاط والحركة ، والإِقبال على السّعي والعمل . . ولذا خصّه بالقسم ؛ وقيل : المراد بالضحى هنا : النّهار كلّه ، بدليل أنّه جعل في مقابلة اللّيل كلّه .

  • ومن السّنّة صلاة الضحى:

ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: ( أوصاني خليلي بثلاث: بأن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبركعتي الضّحى ).

 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)

سكن بالخلق واشتد ظلامه.

 (سجى): سكن.

 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

ما تخلى عنك ربك وما أبغضك ، بل أحب الخلق إليه.

 (قلى): أبغض .

  • ثم بشّره - سبحانه - ببشارتين عظيمتين ، قد بلغتا الدرجة العليا في السّموّ والرّفعة ، فقال :

 وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)

هذه الجملة مؤكدة باللام ،  أي: أنّ الدّار الآخرة خير لك من هذه الدّار الدّنيا.

ولهذا لما خير الله نبيه e في مرضه بين أن يعيش في الدنيا ما يعيش وبين ما عند الله ، اختار ما عند الله، كما أعلن ذلك e في خطبته حيث قال وهو على المنبر: «إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين ما عنده فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر t وتعجب النّاس من بكائه كيف يبكي من هذا ، ولكنه t كان أعلم الناس برسول الله e. علم أنّ المخيّر هو الرّسول e ، وأنّه اختار ما عند الله وهو الآخرة ، وأنّ هذا إيذان بقرب أجله.

 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

يخبر الله أنّه سوف يعطي نبيه e حتى يرضى ، وقد وفى الله لنبيّه ذلك ، فأعطاه الله سبحانه وتعالى من خيريّ الدّنيا والآخرة ما رضي به النّبي e.

أعطي عليه الصّلاة والسّلام من المال مفاتح خزائن الأرض ، كما قال e ، وفتحت له دول بعد أن كان فقيراً عليه الصلاة والسلام.

وأثني عليه ثناء حسناً ، فدائماً اسمه يردد في كل آذان وفي التّشهد في كلّ صلاة.

وفي كتاب الله يذكر اسمه ، وله سورة باسمه e...

ويبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً.

 أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6)

والاستفهام هنا للتقرير. يمتن الله بنعمه على نبيه محمد e، فيقول له: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ ، أي: فآواك، وكان ذلك بضمه إلى عمّه أبي طالب الذي كان يحوطه ويرعاه.

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)

يعني ضالا عما أنت عليه من الرّسالة والنّبوة و التّوحيد والقرآن... ﴿ فَهَدَى ﴾ أي: فهداك للتّوحيد والنبوة.

قال الحسن والضّحاك وابن كيسان: ﴿ ووجدك ضالا ﴾ عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، كما قال: ﴿ وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ (يوسف:3) وقال: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ (الشورى:52) .

-  وقيل: ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب ، وروى عن ابن عباس أنّ رسول الله e: ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير ، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه فردّه إلى عبد المطلب.

وقال الإِمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - : عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : نشأ e موحدا ، لم يسجد لصنم ، وطاهر الخلق ، لم يرتكب فاحشة ، حتى عرف بين قومه بالصّادق الأمين ، فضلال الشّرك ، وضلال الهوى في العمل ، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة .

 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)

وكنت فقيرا لم يترك لك والداك شيئا تعيش به فأنجاك الله من الفقر وأغناك .

 (عائلا): فقيرا معدما .

 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)

هذا في مقابلة ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾، فإذا كان الله آواك في يتمك فلا تقهر اليتيم ، بل أكرم اليتيم ، والإحسان إلى اليتامى وإكرامهم من أوامر الشريعة ومن حسنات الشريعة.

 (القهر): التّغلب على الغير والإِذلال له .

ولقد استجاب النّبي e لما أمره ربّه به ، فأكرم اليتامى ورعاهم ، وحضّ على ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله e: « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة » وأشار e بأصبعيه السّبابة والوسطى.

 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)

السّائل هنا عام ، فيدخل في ذلك السّائل عن العلم ، أو السّائل المحتاج الذي يسأل الناس أموالاً لاحتياجه وفقره ، أو السّائل الذي ضلّ الطّريق ، أو السّائل عن أي شيء ، عن صحته أو أيّ شيء ينتفع به في دينه ودنياه...

 (فلا تنهر): فلا تزجره وأرفق به .

 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

أي حدِّث يا محمد e بنعمة الله عليك ، قل: كنت يتيماً فآواني الله ، كنت ضالاً فهداني الله ، كنت عائلاً فأغناني الله ، لكن تحدث بها إظهاراً للنّعمة وشكراً للمنعم ، لا افتخاراً بها على الخلق ؛ لأنّك إذا فعلت ذلك افتخاراً على الخلق كان هذا مذموماً. أمّا إذا قلت أو إذا ذكرت نعمة الله عليك تحدثاً بالنّعم، وشكراً للمنعم فهذا مما أمر الله به.

من هداية الآيات:

1-    بيان علو المقام المحمدي وشرف مكانته.

2-    مشروعية التذكير بالنعم والنقم حملا للعبد على الصبر والشكر.

3-    وجوب شكر النعم بصرفها في مرضاة المنعم عز وجل.

4-    تقرير معنى الحديث "إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه".


وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.

You have no rights to post comments