تفسير سورة الشمس

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

سميت هذه السورة في المصاحف وفي معظم كتب التفسير ( سورة الشمس ).

وعنونها البخاري سورة ( والشمس وضحاها ) بحكاية لفظ الآية ، وكذلك سميت في بعض التفاسير وهو أولى أسمائها لئلا تلتبس على القارئ بسورة إذا الشمس كوّرت المسمّاة سورة التكوير .

ولم يذكرها في ( الإِتقان ) مع السور التي لها أكثر من اسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدّت السادسة والعشرين في عدد نزول السور نزلت بعد سورة القَدْر ، وقبل سورة البروج .

وآياتها خمس عشرة آية في عدد جمهور الأمصار ، وعدَّها أهل مكة ست عشرة آية .

 مناسبتها لما قبلها:

لما ختمت سورة البلد بنهاية الظالمين الذي جحدوا حقوق الضعفاء، وحق ربهم، وذُكر مآلهم الناري (عليهم نار مؤصدة)، ناسب أن تفتتح السورة هنا بما يلفت الأنظار إلى عظم نعيم الله وفضله، في كل الأزمنة (ليلاً ونهارًا)، والأمكنة (السماء والأرض)، والتذكير بمآل المكذبين بذلك من الأمم السابقة.

ولأبي حيان توجيه آخر في تناسب السورتين، حيث يقول:  "ولما تقدّم القسم ببعض المواضع الشريفة وما بعدها ، أقسم هنا بشيء من العالم العلوي والعالم والسفلي ، وبما هو آلة التفكر في ذلك، وهو النفس، وكان آخر ما قبلها مختتماً بشيء من أحوال الكفار في الآخرة، فاختتم هذه بشيء من أحوالهم في الدنيا، وفي ذلك بمآلهم في الآخرة إلى النار، وفي الدنيا إلى الهلاك المستأصل".

وقد يكون من المناسبة أيضًا أنّ آخر كلمة ختمت بها البلد هي (النار المؤصدة)، وهي مصدر الحرارة الهائل يوم القيامة، وكذلك بدئت السورة هنا بالشمس وهي مصدر الحرارة الهائل في الدنيا، ولكن ما ذكر هناك نقمة، و ما ذكر هنا  نعمة، في إشارة أن من شكر النعمة نجا من النقمة، والعكس صحيح.

أغراضها:

1-    توحيد الله وبيان عظمته وأنه هو الخالق والمدبر لهذا الكون فيجب أن يعبد وحده ويجب أن لا يشرك به.

2-    شأن النّفس البشريّة وما جبلها الله عليها في موضوع التّقوى والفجور.

3-    يضرب الله مثلا لطغيان الإنسان بقوم ثمود الذين كذّبوا نبيهم صالحا فأهلكهم الله ودمّرهم.

 

في الآيات العشر الأولى يقسم الله تعالى ثماني مرات بثماني آيات كونية ، هي الشمس ، وضحاها ، والقمر ، والليل ، والنهار ، والسماء ، والأرض ، والنفس البشرية ، مع حالة لكل مقسم به ، وذلك على شيء واحد ، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة من دساها ، ومع كل آية جاء القسم بها توجيهاً إلى أثرها العظيم المشاهد الملموس ، الدال على القدرة الباهرة .

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)

قال مجاهد : ضوؤها . ;وقال قتادة : هو النهار كلّه . وقال مقاتل : حرّها.

(وضحاها): ضوئها أو دفئها .

 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)

تبعها فأخذ من ضوئها (أي:حلّ محلها في إضاءة الأرض بعد غروبها) ، وسار خلفها. وهذه حقيقة يقرها القرآن والعلم؛ قال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 38 - 40].

وقال الشيخ ابن عاشور : وفى الآية إشارة إلى أن نور القمر ، مستفاد من نور الشمس ، أي : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن .

 وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3)

أي : جلّى الشّمس وأظهرها وكشفها للناظرين ، وأتم وضوحها ، إذ كلما كان النهار أجلى كانت الشمس أكمل وضوحا.

 وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)

وبعد أن أقسم تعالى في الآيات الثلاث السابقات بالضوء تعظيما لأمره ، أقسم هنا بالليل إذ يغشى الشمس ، ويغطي ضوءها.

(يغشاها): يغطيها

 وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5)

يحتمل أن " ما " موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان، ونحو ذلك قوله تعالى:

 وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6)

أي: مدها ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع.

 (طحاها): بسطها أي دحاها ووطأها .

 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)

( النّفس ) : ذات الإِنسان

أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم: 30] وقال رسول الله e: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ".أخرجاه من رواية أبي هريرة .

 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)

 (الإِلهام): حدوث علم في النّفس بدون تعليم ولا تجربة ولا تفكير فهو علم يحصل من غير دليل.

فبين للنفس الخير والشر ، وأعطاها القدرة على التمييز بينهما ، والقدرة على الاختيار .

 (فجورها): معصيتها .

 (تقواها): طاعتها .

 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)

هذا هو جواب القسم فيما تقدم.

والفلاح : الظفر بالمطلوب .

والتزكية : التزود من الخير والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء.

أي: من زكى نفسه بطاعة الله ، ونماها وطهرها من الأخلاق الدنيئة والراذائل ، فاز وأفلح.

واختلف العلماء في الضمير هل يعود على الله أم العبد ؟

فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى? : {بَلِ اللهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}، وقوله : {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}، وفي الحديث أنه e كان يقول عند هذه الآية : " اللَّهم أئت نفسي تقواها وزكها ، أنت خير من زكاها ، وأنت وليها ومولاها " .

ومما استدل به للقول الثاني فقوله : {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ ?سْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، وقوله : {وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}، وقوله : {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}، وقوله : {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}.

 وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)

أما من أخفى فضائل نفسه ، وأمات استعدادها للخير ، بفعل المعاصي ، واجتراح السيئات ، ومجانبة الخير والبر والقربات ، فقد خاب وخسر .

 (خاب): خسر .

 (دساها): أنقصها وأخفاها وأخملها بالفجور .

 كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11)

والمراد بثمود : تلك القبيلة التى أرسل الله - تعالى - إلى أهلها صالحا - عليه السلام - لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده .

يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي.

 (بطغواها): بسبب طغيانها .

 إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12)

وعبر - سبحانه - بقوله : ( انبعث) للإِشعار بأنه قام مسرعا عندما أرسله قومه لقتل الناقة ، ولم يتردد فى ذلك لشدة كفره وجحوده .

(أشقاها) أي: أشقى القبيلة، هو قُدَار بن سالف عاقرُ الناقة ، وهو الذي قال تعالى: { فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ } [القمر: 29]. وكان هذا الرجل عزيزًا فيهم، شريفًا في قومه، نسيبًا رئيسًا مطاعًا، كما قال الإمام أحمد: عن عبد الله بن زَمْعَةَ قال: خطب رسول الله e فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: " { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة" (رواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي والنسائي).

 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13)

و هو صالح عليه السلام محذرًا: { نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا } أي: احذروا عقر ناقة الله، التي جعلها لكم آية عظيمة، ولا تقابلوا نعمة الله عليكم بسقي لبنها أن تعقروها، فكذبوا نبيهم صالحًا.

 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14)

فكذبت ثمود صالحا فيما قاله لهم من أنه رسول الله ، وأن الناقة هي ناقة الله أرسلها آية على صدق نبوته ، فأقدموا على قتلها ( عقروها ) ، ولم يبالوا بما أنذرهم به نبيهم من العذاب ، فأطبق عليهم العذاب ، وأهلكهم جميعا ، وسوى القبيلة كلها في العقوبة ، فلم يفلت منهم أحد .

 (فدمدم): أهلكهم وأطبق العذاب عليهم .

 (فسواها): فأنزل العقاب بهم جميعا على سواء .

 فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)

والله تعالى لا يخاف عاقبة فعله في هلاكهم ودمارهم ، لأنه عزيز لا يغالب ولا يمانع .

 

من هداية الآيات:

1- بيان مظاهر القدرة الإلهية في الآيات التي أقسم بها الله تعالى.

2- بيان ما يكون به الفلاح, وما يكون به الخسران.

3- الترغيب في الإيمان والعمل الصالح والترهيب من الشرك والمعاصي.

4- بيان أن نجاة العبد من النار ودخوله الجنة متوقف على زكاة نفسه وتطهيرها من أوضار الذنوب والمعاصي, وأن شقاء العبد وخسرانه سببه تدنيسه نفسه بالشرك والمعاصي وكل هذا من سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات.

5- التحذير من الطغيان وهو الإسراف في الشر والفساد فإنه مهلك ومدمر وموجب للهلاك والدمار في الدنيا والعذاب في الآخرة.

6- تسلية الرسول e والتخفيف عنه إذ كذبت قبل قريش ثمود وغيرها من الأمم كأصحاب مدين وقم لوط وفرعون.

7- إنذار كفار قريش عاقبة الشرك والتكذيب والمعاصي من الظلم والاعتداء.

 

*وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً *

You have no rights to post comments