تفسير سورة الفجر

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

- هي مكية باتفاق سوى ما حكى ابن عطية عن أبي عَمْرو الداني أنه حكى عن بعض العلماء أنها مدنية .

- وقد عُدّت العاشرة في عِدَاد نزول السّور . نزلت بعد سورة اللّيل وقبل سورة الضحى .

- وعدد آيها اثنتان وثلاثون عند أهل العدد بالمدينة ومكة عدُّوا قوله : ﴿ ونَعَّمَه ﴾ (الفجر:15) منتهى آية ، وقوله : ﴿ رِزْقَه ﴾ (الفجر:16) منتهى آية . ولم يعدها غيرهم منتهى آية ، وهي ثلاثون عند أهل العدد بالكوفة والشام وعند أهل البصرة تسع وعشرون .

فأهل الشام عدُّوا ﴿ بجهنم ﴾ (الفجر:23) منتهى آية . وأهل الكوفة عدَّوا ﴿ في عبادي ﴾ (الفجر:29) منتهى آية .

التّسمية:

لم يختلف في تسمية هذه السورة ( سورةَ الفجر ) في المصاحف والتفاسير وكتب السّنّة .

مناسبتها لما قبلها:

الإقسام في أولها على صحة ما ختم به السّورة التي قبلها ، من قوله جل جلاله: ﴿ إِنَّ إِلينا إِيابَهُم ثُمَ إِنَّ عَلينا حِسابَهُم ﴾. وعلى ما تضمنه من الوعد والوعيد كما أنّ أول الذّاريات قسم على تحقيق ما في ( ق ) ، وأول المرسلات قسم على تحقيق ما في ( عم ).

هذا ! مع أنّ جملة ﴿ أَلَم تَرى كيفَ فَعَلَ رَبُكَ ﴾ هنا ، مشابهة لجملة ﴿ أَفلا ينظرون ﴾ هناك.

أغراضها:

- حوت من الأغراض ضربَ المثل لمشركي أهل مكة في إعْراضهم عن قبول رسالة ربهم بمثَل عاد وثمود وقوم فرعون .

وإنذارَهم بعذاب الآخرة .

- وتثبيتَ النّبي e مع وعده باضمحلال أعدائه .

- وإبطالَ غرور المشركين من أهل مكة إذ يحسبون أنّ ما هم فيه من النّعيم علامة على أنّ الله أكرمهم وأنّ ما فيه المؤمنون من الخصاصة علامة على أنّ الله أهانهم .

- وأنهم أضاعوا شكر الله على النّعمة فلما يواسوا ببعضها الضعفاء وما زادتهم إلا حرصاً على التكثر منها .

- وأنهم يندمون يوم القيامة على أنّ لم يقدِّموا لأنفسهم من الأعمال ما ينتفعون به يوم لا ينفع نفساً مالُها ولا ينفعها إلا إيمانُها وتصديقها بوعد ربها . وذلك ينفع المؤمنين بمصيرهم إلى الجنّة .

*  لما كان العرب اكثر خلق الله قسما فى كلامهم جاء القرءآن على عادتهم فى القسم ، افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها ، ولها فوائدها الدينية والدنيوية . . ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته - تعالى - .

أقسم أولا – بالفجر.

 

قوله تعالى : ﴿ والفجر ﴾ [الفجر: 1].

- أما الفجر، فمعروف وهو: الوقت الذّي ينشق فيه الضّوء وينفجر النّور ، وهو: الصّبح. أقسم سبحانه بالفجر كما أقسم بالصّبح في قوله تعالى: ﴿ والصّبح إذا تنفس ﴾ [التّكوير:18]. (قاله علي ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسدي ، وهذا الرّأي أقوى من غيره).

- وقيل المراد بالفجر هنا : صلاة الفجر ، لأن فيها صلاة تشهدها الملائكة ، فكما في قوله :﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء:78]. (مروي عن ابن عباس ، وزيد بن أسلم).

- وقيل : فجر يوم النّحر لأَنَّهُ خاتمَةُ اللّيالي العشر  ، (مروي عن: مسروق ، ومجاهد ، ومحمد بن كعب).

- وقيل : فجر يوم الجمعة .

 

والفجر مظهر عظيم من مظاهر القدرة الإِلاهية وبديع الصّنع ، وأنّه وحده المدبر  لجميع الأمور ، الذي لا تنبغي العبادة إلاّ له.

فالفجر ابتداء ظهور النّور بعد ما تأخذ ظلمة اللّيل في الإِنصرام وهو وقت مبارك للنّاس إذ عنده تنتَهي الحالة الدّاعية إلى النّوم الذّي هو شبيه الموت ؛ ويأخذ النّاس في ارتجاع شعورهم وإقبالهم على ما يألفونه من أعمالهم النّافعة لهم ؛ ويقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة ، يحسن أن يقسم الله بها ، ولهذا أقسم بعده باللّيالي العشر ، وهي على الصّحيح: ليالي عشر رمضان ، أو [عشر] ذي الحجة ، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة ، ويقع فيها من العبادات والقربات ما لا يقع في غيرها - كما سنبينه فيما بعد -.

• جوابُ هذا القَسَم قيل : مذكورٌ وهو قولُه ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ [الفجر: 14] قاله ابن الأنباري ...

 

قوله تعالى : {  وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 2].

- المراد بها عشر ذي الحجة. لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإحرام ، والطواف ، والوقوف بعرفة . (كما قاله ابن عباس ، وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف). وقد ثبت في صحيح البخاري فضل هذه الأيام ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e :« مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ ». يَعْنِى أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ ؟  قَالَ: « وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ ».

- وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم ، التي عاشرها يوم عاشوراء.

- وقيل: العشر الأواخر من رمضان ؛ فيها ليلة هي خير من ألف شهر. (قاله الضحاك)

- وقيل : العشر الأول من رمضان ، والصحيح القول الأول .

 

قوله تعالى : {  وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } [الفجر: 3].

( الشّفع ) : ما يكون ثانيا لغيره ، ( الوتر ) : هو الشّيء المنفرد .

وقد ذكرالمفسرون أكثر من (20) عشرين قولاً في المراد بهذين اللّفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من يرى:

- الوتر: يوم عرفة لكونه اليوم التاسع من ذي الحجة ، والشّفع: هو يوم النّحر ، لكونه العاشر منه.(قاله ابن عباس)

- ومنهم من يرى أنّ المراد بهما : الصلاة المكتوبة ، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح ، وما كان منها وترا كالمغرب .

- ومنهم من يرى أن المراد بالشّفع : جميع المخلوقات ، وبالوتر : الله - تعالى - الواحد الصمد [وهو الرّاجح].

إنما الوتر هو الله ، للحديث : « إنّ الله وتر يحب الوتر » ، وما سواه شفع ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[الذاريات:49] ، فهذا شمل كل الوجود الخالق والمخلوق ، كما في عموم ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾[الحاقة:38-39].

 

قوله تعالى : {  وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } [الفجر: 4].

اتفق المفسرون على المعنى وهو سريان اللّيل ، أي: وَاللّيلِ إِذَا يَمْضِيَ وَيَذْهَبُ . وأقسم به لما أنّه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته .

 

قوله تعالى : {  هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ } [الفجر: 5].

( الحِجْرُ ): العقل . وسمى بذلك لأنه يَحْجُر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب ما لا ينبغي ؛ كما سمى عقلا ، لأنه يَعْقِل صاحبه عن ارتكاب السّيئات ، كما يعقِل العقالُ البعيرَ عن الضلال .

في هذه الآية تحقيق وتقرير لفخامة الأشياء المذكورة المقسم بها وكونها مستحقة لأن تعظم بالإقسام بها فيدل على تعظيم المقسم عليه وتأكيده. ( كما تقول لمن حاجّك : هل فيما ذكرت لك كفاية؟ ) .

معنى الآية: من كان ذا عقل ولب ( ذا حجر ) يفطن إلى القسم بهذه المخلوقات المشتملة على باهر الحكمة ، وعجيب الصّنعة ، الدّالة على وجود الله تعالى ووحدانية صانعها . . فيه كفاية لإقناعكم بأنّ رسالة محمّد e حقّ ، وأنّكم ستبعثون يوم القيامة ، وستحاسبون ، وستعذبون في النّار يا أيّها الكفار .

 

*     ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد ، ما أنزله من عذاب مهين ، بالأقوام المكذبين

قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾[الفجر:6].

الاستفهام فى قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ... ﴾ للتّقرير ، والرّؤية : علمية ، تشبيها للعلم اليقينى بالرؤية فى الوضوح والانكشاف ، لأنّ أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل من يشاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين.

والمراد بعاد : قبيلة مشهورة بهذا الاسم ، كانت تسكن الأحقاف ، وهو مكان فى جنوب الجزيرة العربية ، معروف للعرب.

وكانوا متمردين عتاة جبارين ، خارجين عن طاعة الله مكذبين لرسله ، جاحدين لكتبه. فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم ، وجعلهم أحاديث وعبَرا.

وهم الذّين بعث الله فيهم رسوله هودًا u فكذبوه وخالفوه ، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم ، وأهلكهم بريح صرصر عاتية ، كما قال تعالى:﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾ [الحاقة:7-8]

وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ( في الأعراف ، سورة هود ، والشعراء ، والأحقاف . . . إلخ ) ، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون.

 

قوله تعالى : ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ] ﴾[الفجر:7].

 ( إِرَمَ ) هي قبيلة عاد سميت باسم أحد أجدادها. وقيل : إرم اسم مدينتهم.

-   من قال إرم ( قبيلة ) قال : العماد أعمدة بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشّعر لأنهم كانوا أهل عمود ، وقال ابن عباس : ذلك كناية عن طول أبدانهم .

-      ومن قال إرم ( مدينة ) فالعماد الحجارة التي بنيت بها ، وقيل القصور والأبراج.

 

قوله تعالى : ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾[الفجر:8].

صفة للقبيلة لأنهم كانوا أعظم النّاس أجساماً وقوةً وشدّةً ، كما قال لهم نبيهم هود u: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

-     أو صفة للمدينة ، وهذا دليل على أنها مدينة عظيمة تمتاز بأبنية لا مثيل لها.

 

قوله تعالى : ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾[الفجر:9].

( ثمود ): قبيلة عربية بائدة ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله تعالى إليهم نبيهم صالحا u فكذّبوه ، فأهلكهم الله تعالى. وكانت مساكنهم بين الشّام والحجاز ، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى أو مدائن صالح .

( جابوا ): قطعوا ونحتوا الصّخر .

أي: وكيف فعل ربّك بثمود قوم صالح الذّين قطعوا الصّخر بالوادي واتخذوا منه بيوتا؟

 

قوله تعالى : ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾[الفجر:10].

وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها فى منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشدّه بها .

( ولفت الأستاذ المراغي في تفسيره النظر إلى أن شكل المسلات التي بناها الفراعنة في مصر يشبه شكل الوتد المقلوب الذي تشد به الخيام ) . وهي على الأرجح الأهرامات.

 

قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ [الفجر:11- 12].

أي: تمردوا وعتوا واستعملوا سلطانهم وقوتهم في الطغيان ، وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للنّاس ، والتّجاوز على حقوق العباد .

 

قوله تعالى : ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ [الفجر: 13].

فأنزل الله تعالى عليهم ألوانا من البلاء والعذاب الشّديد ، وأهلكهم وأبادهم .

( سَوْطَ ) أي : كالسّوط في سرعته ، وشدّته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ . وعبر - سبحانه - على إنزال العذاب بهم بالصّب ، للإيذان بكثرته وتتابعه .

 

قوله تعالى : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14].

( المرصاد ) في الأصل : اِسم للمكان الذي يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شيء ما .

والمراد: إنّ ربّك - أيها الرّسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه ، ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه I شئ فى الأرض أو السّماء .

وفي هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم في جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا فى طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطّغاة .

 

*  ثم يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو عند اليسر والعسر ، والغنى والفقر ، والسّراء والضّراء ؛ وأنّه جاهل ظالم ، لا علم له بالعواقب ، يظنّ الحالة التي هو فيها تستمر ولا تزول ، فقال :

قوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ [الفجر: 15].

فإذا وسع الله تعالى على الإنسان في الرزق والمال والجاه والقوة ، ليختبره ، اعتقد أنّ ذلك من إكرام الله له ، فيقول : ربّ فضلني لاستحقاقي ذلك ، والحقيقة هي أنّ الأمر ليس كذلك ، وإنما هو ابتلاء من الله للخلق .

قوله تعالى : ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 16].

وإذا رأى الإنسان أنّ رزقه لا يصل إليه إلاّ بقدر ظنّ ذلك إهانة له من الله ، وإذلالا لنفسه فيقول : رب أهانني .

( قدر عليه رزقه ): ضيّقه عليه ، ولم يبسطه له .

ويتعلق بالآيتان السؤال التّالي: لِمَ أنكر الله على الإنسان قوله " ربي أكرمني " و " ربي أهانني " ؟

والجواب من وجهين ، أحدهما: أنّ الإنسان يقول: "ربي أكرمني" على وجه الفخر بذلك والكبر ، لا على وجه الشّكر ويقول: "ربي أهانني" على وجه التّشكي من الله وقلة الصّبر والتّسليم لقضاء الله ، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك ، فإن الواجب عليه أن يشكر على الخير ويصبر على الشر . والآخر : أنّ الإنسان اعتبر الدّنيا فجعل بسط الرّزق فيها كرامة ، وتضييقه إهانة وليس الأمر كذلك ؛ فإنّ الله قد يبسط الرّزق لأعدائه ، ويضيقه على أوليائه فأنكر الله عليه اعتبار الدّنيا والغفلة عن الآخرة ، وهذا الإنكار من هذا الوجه على المؤمن . وأمّا الكافر فإنما اعتبر الدّنيا لأنّه لا يصدق بالآخرة ، ويرى أنّ الدّنيا هي الغاية فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك .

 

قوله تعالى : ﴿ كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر: 17].

( كَلاَّ ) أي: ليس الأمر كما زعم ، لا في هذا ولا في هذا ، فإنّ الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ويضيق على من يحب ومن لا يحب ، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كلّ من الحالين ، إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك ، وإذا كان فقيرا بأن يصبر.

فارتدعوا أيها الماديون الذين تقيسون الأمور كلها بالمقاييس المادة ، فالله Y يوسع الرّزق اختبارا للعبد هل يشكر نِعَمَ الله عليه فيذكرها ويشكرها بالإيمان والطّاعة !؟ ويضيّق الرّزق امتحانا هل يصبر العبد لقضاء ربّه أو يجزع ؟ وإنما أنتم أيّها الماديون ترون أنّ في التّوسعة إكراما وفي التّضييق إهانة كلاّ ليس الأمر كذلك ، ونظريتكم المادية هذه أتتكم من حبكم الدّنيا واغتراركم بها ويشهد بذلك إهانتكم لليتامى وعدم إكرامكم لهم لضعفهم وعجزهم أمامكم ، وعدم الاستفادة المادية منهم. وشاهد آخر أنّكم لا تحضّون أنفسكم ولا غيركم على إطعام المساكين وهم جياع أمامكم . وآخر أنّكم تأكلون التّراث أيّ الميراث أكلا لما شديدا تجمعون مال الورثة من الأطفال والنّساء إلى أموالكم. وتحرمون الضّعيفين الأطفال والنّساء . وآخر وتحبون المال حبا جما أي قويا شديدا.

وعن ابن سعد أنّ رسول الله e قال: « أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِى الْجَنَّةِ ». وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ [1].

 

قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ [الفجر: 18].

ولا يحثّ بعضهم بعضا على إطعام المساكين.

 

قوله تعالى : ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ﴾ [الفجر: 19].

وإنهم يأكلون الميراث ( التراث ) الذي يتركه من يتوفى أكلا شديدا ، أي من أية جهة حصل لهم ، من حلال أو حرام ، فيحولون بينه وبين من يستحقه من النّساء والأولاد .

( التراث ): ميراث النّساء والصّغار .

( أكلا لمّا ): من أيّ جهة حصل لهم ، من حلال أو حرام.

 

قوله تعالى : ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر20: ].

( جَمَّا ) أي: شديدا كثيرا وهذا ذمّ للحرص على المال وشدّة الرّغبة فيه .

 

قوله تعالى : ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ [الفجر: 21].

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا يَقَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَهْوَالِ العَظِيمَةِ ، وَيَقُولُ مُنْكِراً عَلَى هَؤُلاَءِ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ وَحِرْصَهُمْ عَلَى الدُّنْيَا ، ﴿ كَلا ﴾ أي: ليس [كلّ] ما أحببتم من الأموال ، وتنافستم فيه من اللّذات ، بباق لكم ، بل أمامكم يوم عظيم ، وهول جسيم، تدكّ فيه الأرض والجبال وما عليها.

دُكَّتْ - دُقَّتْ وَكُسِرَتْ .

دَكّاً دَكّاًَ - دَكّاً مُتَتابِعاً حَتَّى صَارَتْ هَبَاءً مُتَنَاثِراً .

 

قوله تعالى : ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر: 22].

هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التي يرى السّلف وجوب الإِيمان بها كما جاءت ، بمعنى أننّا نؤمن بمجئ الله -تعالى- ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ، بل نَكِلُ علم كيفية مجيئه إلى مشيئته - تعالى -  وعلى هذا المذهب يكون تفسير هذه الآية: يجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده.

والخلف يؤولون ذلك المجيء هنا بمعنى مجيء أمره وقضائه .

-         وتجيء الملائكة الكرام ، أهل السّماوات كلّهم ، صفًا صفا أي: صفًا بعد صف.

 

قوله تعالى : ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ [الفجر: 23].

﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ روى الإِمام مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله e: « يؤتي يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها »

فإذا وقعت هذه الأمور فـ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ ﴾ ما قدمه من خير وشرّ.

﴿ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ من أين له أن تنفعه هذه الذّكرى !؟؟ فقد فات أوانها ، وذهب زمانها ، لذلك يقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله:

 

قوله تعالى : ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 24].

وفي آية أخرى يقول: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾[الفرقان:27،28] .

بمعنى: يا ليتني قدَّمتُ في الدّنيا من الأعمال ما ينفعني لحياتي في الآخرة.

 

قوله تعالى : ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ • وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ [الفجر: 25-26].

ففي ذلك اليوم العصيب لا يستطيع أحدٌ ولا يقدر أن يُعذِّبَ مثل تعذيب الله من عصاه ، ولا يستطيع أحد أن يوثِقَ مثل وثاق الله ، ولا يبلغ أحدٌ مبلغه في ذلك.

*     هذا في حقّ المجرمين من الخلائق والظالمين ، فأما النّفس الزّكية المطمئنة وهي السّاكنة الثّابتة الدّائرة مع الحقّ فيقال لها:

 

قوله تعالى : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ • ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الفجر:27-28].

والنّفس المطمئنة : هي النّفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة . بسبب إيمانها الصّادق ، وعملها الصّالح .

-    هذا الخطاب والنّداء يكون عند الموت ، وقيل : عند البعث ، وقيل : عند انصراف النّاس إلى الجنّة أو النّار ، والأول أرجح ، لما روي « أنّ أبا بكر سأل عن ذلك رسول الله e فقال له : يا أبا بكر إنّ الملك سيقولها لك عند موتك ».

﴿ رَاضِيَةً ﴾  معناه راضية بما أعطاها ، أو راضية عن الله ، ومعنى ﴿ مرضية ﴾ عند الله ، أو أرضاها الله بما أعطاها.

 

قوله تعالى : ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ [الفجر:29].

أي في جملة عبادي الصّالحين.

 

قوله تعالى : ﴿ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 30].

أي جنّته التي أعدّها الله U لأوليائه ، أضافها الله إلى نفسه تشريفاً لها وتعظيماً ، وإعلاماً للخلق بعنايته بها Y ، والله I قد خلقها خلقاً غير خلق الدّنيا ، لأنّ الله يقول: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السجدة:17].

-         وقد ذكروا أنّ هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن عثمان بن عفان لمّا تصدق ببئر رومة .

-       وقيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد.

-       قال القرطبي : والصّحيح أنها عامة في نفس كلّ مؤمن مخلص طائع.

نسأل الله - تعالى- أن يجعلنا جميعا من أصحاب النّفوس المطمئنة .

 

من هداية الآيات:

1-    فضل اللّيالي العشر من أول ذي الحجة إلى العاشر منه.

2-   بيان مظاهر قدرة الله في إهلاك الأمم العاتية والشّعوب الظالمة مستلزم لقدرته تعالى على البعث والجزاء والتّوحيد والنّبوة وهو ما أنكره أهل مكة.

3-   التّحذير من عذاب الله ونقمه فإنّه تعالى بالمرصاد فليحذر المنحرفون عن سبيل الله والحاكمون بغير شرعه والعاملون بغير هداه أن يُصَبَّ عليهم سوط عذاب.

4-     النّظرية المادية لم تكن حديثة عهد إذ عرفها الماديون في مكة من مشركي قريش قبل أربعة عشر قرنا.

5-     وجوب إكرام اليتامى والحض على إطعام الجياع من فقراء ومساكين.

6-     وجوب إعطاء المواريث لمستحقيها ذكورا أو إناثا صغارا أو كبارا.

7-     التّنديد بحبّ المال الذي يحمل على منع الحقوق ، ويزن الأمور بميزانه قوة وضعفا.

8-    تقرير المعاد بعرض شبه تفصيلي ليوم القيامة.

9-    بيان اشتداد حسرة المفرطين اليوم في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله يوم القيامة.

10-    بشرى النّفس المطمئنة بالإيمان وذكر الله ووعده ووعيده, عند الموت وعند القيام من القبر وعند تطاير الصّحف.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

 



[1] - أخرجه اْحمد والبخاري و"أبو داود" والتِّرْمِذِيّ.

You have no rights to post comments