تفسير سورة الأعلى

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 

سورة الأعلى سورة كان النبي e يحبها ، ويكثر من قراءتها ، وشرع لأمته قراءتها في كل ليلة في صلاة الوتر[1]، وما هذا إلا لعظم ما اشتملت عليه من المعاني العظيمة ، ففيها تمجيد لله سبحانه ، وبيان بعض أسمائه وأفعاله ، وفيها البشارة للنبي e بحفظه للقرآن ، وبشارة أخرى بيسر الأحكام ، ثم ختمها بالترغيب في الزهد في هذه الحياة الدنيا ؛ وهي تتضمن الثابت من قواعد التصور الإيماني : من توحيد الرب الخالق وإثبات الوحي الإلهي ، وتقرير الجزاء في الآخرة . وهي مقومات العقيدة الأولى فما أعظمها من سورة !

وآياتها تسع عشرة آية وهي مكية في قول الجمهور. و حكي خلاف عن ابن عمر وابن عباس أن قوله تعالى : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) (الأعلى:14- 15) نزل في صلاة العيد وصدقةِ الفطر ، أي فهما مَدنيتان فتكون السورة بعضها مكي وبعضها مدني .وعن الضحاك أن السورة كلها مدنية .

نزلت بعد سورة التكوير وقبل سورة الليل.

التسمية:

- هذه السورة وردت تسميتها في السنة سورة : { سبح اسم ربك الأعلى } ففي (الصحيحين) عن جابر بن عبد الله قال : ( قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطوَّل فشكاه بعض من صلّى خلفه إلى النبي e فقال النبي e: " أفتَّان أنتَ يا مُعاذ أين كنتَ عن سبح اسم ربك الأعلى والضّحى" .

- وسمتها عائشة ( سَبِّح ). روى أبو داود والترمذي عنها: ( كان النبي e يقرأ في الوتر في الركعة الأولى سَبِّح ). وكذلك سماها البيضاوي وابن كثير . لأنها اختصت بالافتتاح بكلمة ( سبح ) بصيغة الأمر .

- وسماها أكثر المفسرين وكتَّاب المصاحف ( سورة الأعلى ) لوقوع صفة الأعلى فيها دون غيرها .

مناسبتها لما قبلها:

في "سورة الطارق" ذكر خلق النبات والإنسان في قوله: (والأَرض ذات الصدع) وقوله: (فلينظُر الإِنسانُ مِمَّ خُلِق) إلى (إِنَّهُ عَلى رجعهِ لقادر) وذكره في هذه السورة في قوله: (خَلقَ فسوى) وقوله في النبات: (والَذي أَخرج المَرعى فجعَلهُ غُثاءً أَحوى) وقصة النبات في هذه السورة أبسط  وأوضح ، كما أن قصة الإنسان هناك أبسط ، نعم أنّ ما في هذه السورة أعم ، من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات.

أغراضها:

-         اشتملت على تنزيه الله تعالى والإِشارة إلى وحدانيته لانفراده بخلق الإِنسان وخلق ما في الأرض مما فيه بقاؤه .

-         وعلى تأييد النبي وتثبيته على تلقي الوحي .

-         وأن الله معطيه شريعة سمحة وكتاباً يتذكر به أهل النفوس الزكية الذين يخشون ربهم ، ويُعرض عنهم أهل الشقاوة الذين يُؤثرون الحياة الدنيا ولا يعبأون بالحياة الأبدية .

-         وأن ما أوحي إليه يُصدِّقُه ما في كتب الرسل من قبله وذلك كله تهوين لما يلقاه من إعراض المشركين.

 

قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾[الأعلى:1].

الخطاب هنا للرسول e، والخطاب الموجه للرسول e في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:

-         القسم الأول: أن يقوم الدليل على أنه خاص به فيختص به. مثاله: قوله تبارك وتعالى: {ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك} [الشرح: 1، 2]. ومثاله أيضاً قوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولاً} [النساء: 79]. فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي e.

-         القسم الثاني: أن يقوم الدليل على أنه عام فيعم. ومثاله: قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، وفيه قرينة تدل على العموم.

-         القسم الثالث: أن لا يدل دليل على هذا ولا على هذا ، فيكون خاصًّا به لفظاً ، عامًّا له وللأمة حكماً. وأمثلته: فهي كثيرة جداً يوجه الله الخطاب للرسول e، والمراد الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً.

معنى التسبيح: وهو التنزيه عن كل ما لا يليق . أما تنزيه أسماء الله فهو على عدة معانٍ منها :

-         تنزيهها عن إطلاقها على الأصنام كاللات والعزى واسم الآلهة .

-         ومنها : تنزيهها عن اللهو بها واللعب ، كالتلفظ بها في حالة تنافي الخشوع والإجلال كمن يعبث بها ويلهو ، ونظيره من يلهو ويسهو عن صلاته ، {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ }، أو وضعها في غير مواضعها ، كنقش الثوب أو الفراش الممتهن .

-         ومنها : تنزيهها عن المواطن غير الطاهرة ، وقد كان e إذا دخل الخلاء نزع خاتمه لما فيه من نقش محمد رسول اللَّه e.

-         ومنه : صيانة الأوراق المكتوبة من الابتذال صوناً لاسم الله .

v     وقيل من معاني (التسبيح): مجّد ، و عظم ، و قل: سبحان الله[2] ، و صل لله[3].

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ [الأعلى:2]

{خلق} يعني أوجد من العدم ، كل المخلوقات أوجدها الله عز وجل ، قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه} [الحج: 23].

{فسوى} يعني سوى ما خلقه على أحسن صورة ، وعلى الصورة المتناسبة ، الإنسان مثلاً قال الله تعالى في سورة الانفطار: {الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 7، 8]. {الذي خلق فسوى} أي: خلق الخليقة وسَوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات.

 قال تعالى: { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } [الأعلى:3]

قَدَّرَ - جَعَلَ الشَّيْءَ عَلَى مَقَادِيرَ مَخْصُوصَةٍ . كما قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} [الفرقان: 2]. قدره في حاله ، وفي مآله ، وفي ذاته ، وفي صفاته... فالآجال محدودة ، والأحوال محدودة ، والأجسام محدودة ، وكل شيء مقدر تقديراً ،كما ثبت في صحيح مسلم ، عن عبد الله ابن عَمرو: أن رسول الله e قال: "إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء".

فَهَدَى - فَوَجَّهَ كُلَّ وَاحِدٍ وَهَدَاهُ إِلَى مَا يَنْبَغِي لَهُ .

{والذي قدر فهدى} الذي قدر خلق كل شيء ، وأعطاه ما يستحقه وما يمكنه من أداء مهمته التي خلق لها ، وهدى كل مخلوق إلى استعمال ما اختصه الله به لأداء وظيفته ، والقيام بما يصلح حاله . كما قال تعالى:{ قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى }.

{ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } [الأعلى:4]

المرعى هو: النبات الذي يُرعى ، والنبات الذي تأكله الدواب والأنعام.

{ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } [الأعلى:5]

 (الغثاء): اليابس ، يعني: أخرج المرعى وكان أخضر ، ثم سرعان ما يبس المرعى وأصبح هشيما يابسا متفتتاً.

(أحوى): أسمر أو أسود بعد الخضرة .

 

قال تعالى: { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى } [الأعلى:6]

هذا وعد من الله سبحانه وتعالى لرسوله e أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول ، وكان الرسول e يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي فقال الله له: {لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 16 ـ 19]. فصار النبي e ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرأه.

 

{ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ  إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } [الأعلى:7]

إلا إذا شاء الله أن ينسيك منه فهو قادر على ذلك ، وهو تعالى مالك قلبك وعقلك ، وعالم بسرك وجهرك ، فلا يفوته شيء مما في نفسك . فإن الأمر بيده عز وجل {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39]. {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 106، 107].

 

قال تعالى: { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } [الأعلى:8].

أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر. ولهذا قال النبي e: " بعثت بالحنيفية السمحة "، وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78]. وكان رسول الله e يحب اليُسر في كل الأمور ، روت عائشة رضي الله عنها أنه:" ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما" . رواه البخاري ومسلم . وكلُّ سيرته مبنيّة على اليسر ، وأحاديثه تحضُّ على اليسر والسماحة والرِفق في تناول الأمور .

 

قال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى } [الأعلى:9]

أي: فذكِّر عباد الله يا محمد e عظمته ، وعِظْهم ، وحذّرهم عقوبته ، ذكِّر حيث تنفع التذكرة. أما المعاندون الجاحدون فلا تنفع معهم الذكرى ولا تجدي .

{ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } [الأعلى:10]

(سَيَذَّكَّرُ) أي: سيتعظ وينتفع بالتذكرة من يخشى الله ويخاف عقابه لأنه هو الذي يتأمل فيما تقوله له ، وتذكره به .

{ وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى} [الأعلى:11].

أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها (الأشقى) المصرّ على العناد لا يسمع لها ولا يستفيد منها .

أي: سيتعظ من يخاف الله ، ويتجنب هذه التذكرة الشقي الذي كتب في علم الله أنه سيموت على الكفر.

 { الذى يَصْلَى النار الكبرى ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى }[الأعلى:12-13]

أي: يدخلها ، ويذوق هولها.

لماذا وصفت النار بأنها كبرى؟ قال الرسول e: ( ناركم التي توقدون عليها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم! ).

{ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى } [الأعلى:13] أي: لا هو بميت فيستريح ، ولا هو بحي يحيا ، قال النبي e: ( يؤتى بالموت في صورة كبش ، فيوقف على قنطرة بين الجنة والنار ، وينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ، فيقولون: نعم هذا الموت ، وينادى: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ، ويقولون: نعم هذا الموت ، فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار )، ثم تلا النبي e قوله تعالى: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ } [مريم:39] -الذي هو ذلك اليوم- { إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [مريم:39-40] فالحسرة متعددة على الكافر ، يوم موت الكافر يوم حسرة عليه ، فبعد الموت لا مجال للتوبة ، ويوم ذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار يوم حسرة أيضاً على الكفار ، فبعد ذلك لا مجال أبداً للرأفة ولا للرحمة ولا لأي شيء.

{ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا } كما قال تعالى: { لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } [فاطر:36].

قال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [الأعلى:14]

 ( الفلاح ): هو الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب ، والمطلوب هو: الجنة ، والمرهوب هو: النار ، (فأفلح) معناها: قد فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه.

 ( تزكى ) أي: زكى نفسه من الشرك ومن المعاصي ، ومن العلماء من قال: تزكى: من الزكاة ، أي: أخرج الزكاة ، لكن القول الأول أقرب ، وعليه كثير من أهل العلم في هذه الآية ، كما قال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } [الشمس:9] أي: زكى نفسه. ففي قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) قولان مشهوران: القول الأول: تزكى من الذنوب ، أي: تطهر من الذنوب والمعاصي والشرك. القول الثاني: تزكى أي: أخرج الزكاة ، والقرينة التي تؤيد قول من قال: إن المراد بالتزكي: إخراج الزكاة هي الآية التي بعدها.

قوله تعالى: { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } [الأعلى:15]

أي: أقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالا لشرع الله.

v     وحمل بعضهم ذكر الصلاة بعد الزكاة ، على زكاة الفطر وصلاة عيد رمضان ، وقال آخرون بالعموم.

لطيفة: وقد رتبت هذه الخصال الثلاث على الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهو المشار إليه بقوله : ( تزكى ) ، ثم استحضارُ معرفة الله بصفات كماله وحكمته ليخافه ويرجوه وهو المشار بقوله : ( وذكر اسم ربه ) ثم الإِقبالُ على طاعته وعبادته وهو المشار إليه بقوله : ( فصلى ) والصلاةُ تشير إلى العبادة وهي في ذاتها طاعة وامتثال يأتي بعده ما يشرع من الأعمال قال تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر اللَّه أكبر ) ( العنكبوت : 45 ) .

قال تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } [الأعلى:16]

إن الناس يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، والعقل يرشدهم إلى أن الآخرة خير من الدنيا ، لأن الآخرة دائمة باقية ، والدنيا زائلة فانية ، والعاقل لا يؤثر الفاني على الباقي .

السّبب: وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية ، فقال : أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة ؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها ، ولذاتها وبهجتها ، والآخرة غيبت عنا ، فأخذنا العاجل ، وتركنا الآجل.

{ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [الأعلى:17]

أي والدار الآخرة ؛ أي الجنة. قال:رٌ} أي أفضل. {وَأَبْقَى} أي أدوم من الدنيا. وقال النبي e: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع" صحيح. وقال مالك بن دينار : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى ، على ذهب يفنى. قال : فكيف والآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى.

وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير . لا يقدم عليهما عاقل بصير.

وفي الختام تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة ، وعراقة منبتها ، وامتداد جذورها في شعاب الزمن ، وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكان :

{ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [الأعلى:18]

{ إن هذا } الإشارة إلى ما ذكر من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة ، أو إلى ما تضمنته السورة أو إلى القرآن بجملته ، والمعنى أنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين كما ثبت في هذا الكتاب .

{ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } [الأعلى:19]

ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف ، وإنما هو على المعنى ؛ أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف.

v     قال:الآجُرِيُّ من حديث أبي ذر قال : قلت يا رسول اللّه ، فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال: "كانت أمثالا كلها: أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم. فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، يفكر فيها في صنع اللّه عز وجل إليه ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد ، ومرمة لمعاش ، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه. ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه". قال: قلت يا رسول اللّه ، فما كانت صحف موسى ؟ قال: "كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. قال: لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل" ! قال : قلت يا رسول اللّه ، فهل في أيدينا شيء مما كان في يديه إبراهيم وموسى ، مما أنزل اللّه عليك ؟ قال : "نعم اقرأ يا أبا ذر : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . وذكر الحديث[4].

تنبيه:

هذا ، وقد كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يحث على قراءة سورة: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) في الصلوات ، ففي صلاة العشاء يقول لـ معاذ : هلا صليت بـ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) ، وكان يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الوتر ، ويقرأ في الثانية: بالكافرون ، وفي الثالثة: بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1]، وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الجمعة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ بها أحياناً في العيدين ، ويسن أن يقرأ بقصار المفصل في صلاة العشاء ، وفي صلاة المغرب على وجه الخصوص ، وإن قرأ أحياناً بغيرها فلا بأس ، لكن هذا يكون الغالب ، كما قال النبي لـ معاذ : ( أفتان أنت يا معاذ ! هلا صليت بـ (الشمس وضحاها) و(سبح اسم ربك الأعلى) و(الليل إذا يغشى) و (والسماء والطارق) )، كما في الروايات ، فالأتبع للسنة أن تقرأ سورة من قصار المفصل كاملة في الصلاة ، أو تقرن بين سورتين إن شئت ، فهذا هو الأقرب إلى اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وإن قرأت بغير ذلك جائز ولا إشكال في ذلك.

ومن حكم ذلك ، ما روي عن أبي هريرة t أنّ رسول الله t قال:« إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء »[5].

هداية الآيات:

1- وجوب تسبيح اسم الله وتنزيهه عما لا يليق به كوجوب تنزيه ذات الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.

2- مشروعية قول سبحان ربي الأعلى عند قراءة هذه الآية سبح اسم ربك الأعلى.

3- وجوب التسبيح بها في السجود في كل سجدة من الصلاة سبحان ربي الأعلى ثلاثا فأكثر.

4- مشروعية قراءة هذه السورة في الوتر فيقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة والأعلى وفي الثانية بالفاتحة والكافرون ، وفي ركعة الوتر بالفاتحة والصمد أو الصمد والمعوذتين.

5- أحب الرسول e سورة الأعلى لأنها سورة ربه وأن ربه بشره فيها بشارتين عظيمتين الأولى أنه ييسره لليسرى ، ومن ثم ما خير رسول الله e بين شيئين إلا اختار أيسرهما والثانية أنه حفظه من النسيان بأن جعله لا ينسى. ولذا كان يصلي بهذه السورة الجمع والأعياد والوتر في كل ليلة فصلى الله عليه وسلم.

6- الترغيب في الزكاة والذكر والصلاة ، ويحصل هذا للمسلم كل عيد فطر إذ يخرج زكاة الفطر أولا ثم يأتي المسجد يكبر ، ثم يصلي حتى أن بعضهم يرى أن هذه الآية نزلت في ذلك.

7- التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة لفناء الدنيا وبقاء الآخرة.

8- توافق الكتب السماوية دليل أنها وحي الله وكتبه أنزلها على رسله عليهم السلام.

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

You have no rights to post comments