القرآن ذكر الله

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

اعلموا - عباد الله - أن أعظمَ النعم نعمةُ الإيمان والقرآن.

الإيمان نورُ القلوب، وضياء البصائر، وروحُ الإنسان وكيانه وكرامته، وعزه وقَدْره، ولا خير في الآدمي بلا إيمان.

 

والقرآن هو الهدى والنور، والداعي إلى كلِّ خير، والناهي عن كل شر، غذاءُ الأرواح، وتزكيةُ النفوس، فيه الحلالُ والحرام، وتفاصيلُ التشريع والأحكام، يحكُم على الدنيا والآخرة، من تمسَّك به هداه الله لأرشد الأمور، ومن نبذَه فهو مثبور، قال الله تعالى: إِنَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لصَّـ?لِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9]، وقال تعالى: فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى? وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? [طه:123، 124]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (تكفَّل الله لمن عمل بالقرآن ألا يضِل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة) [1].

القرآنُ معجزة نبينا محمد الباقية الدائمة، التي تخاطِب الأجيال البشرية إلى قيام الساعة، وتُقنِع العقلَ الإنساني بأنواعِ البراهين الكثيرة، ليذعنَ الإنسان ويستسلمَ لرب العالمين بطواعية واختيار، أو يُعرِض عن الحقِّ بعد معرفته عن جحودٍ واستكبار، فتقوم الحجةُ لرب العالمين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ما من نبيٍّ بعثه الله إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما [كان] الذي أوتيتُه وحيًا، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)) رواه البخاري [2].

هذه المعجزة الخالدة لم يقدر الإنس والجنّ على أن يأتوا بكتاب مثلها وقتَ نزول القرآن الكريم، بل لو اجتمع أولُهم وآخرهم فلن يستطيعوا أن يأتوا بكلام مثل معجزة القرآن العظيم، قال الله عز وجل: قُل لَّئِنِ ?جْتَمَعَتِ ?لإِنسُ وَ?لْجِنُّ عَلَى? أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88

وأنزل الله القرآنَ العظيمَ معجزاً رحمةً من الله بعباده، ليعلموا أنه كلامُ الله، وأنّ الله هو الإله الحق المبين، وأن محمداً رسول الله حقاً، لأن القرآنَ العظيم أكبرُ دليل يخبرنا بصفات ربنا، وما يجب لله من صفات الكمال، وما يُنزَّه ويُقدّس عنه من النقص الذي لا يليق بجلاله تبارك اسمه وتعالى جده، قال تعالى: تلْكَ ءايَـ?تُ ?للَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِ?لْحَقّ فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَ ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6]، وقال تعالى: تِلْكَ آيَـ?تُ ?للَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِ?لْحَقّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ?لْمُرْسَلِينَ [البقرة:252]،

أيها المسلمون، إننا في أشدِّ الحاجة إلى التخلّق بالصفات التي دعانا إليها القرآن، بامتثال أوامره، والابتعاد عن نواهيه، وتحليلِ حلاله، وتحريم حرامِه، والعملِ بمحكمه، والإيمان بمتشابهه. والقرآن العظيم لا يؤتي ثمارَه في الإنسان ولا يقيمه على الجادَّة ويصبغه بصبغته إلا إذا تهيّأت النفس للقبول، وتفتَّح القلبُ لأنواره، وخشعت الجوارحُ لترغيبه وترهيبه، ووعده ووعيده، كما قال تعالى: ?للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ?لْحَدِيثِ كِتَـ?باً مُّتَشَـ?بِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ ذَلِكَ هُدَى ?للَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

والزمان المناسب يساعِد على تأثير القرآن الكريم في النفس الإنسانية، ويزيد المسلمَ هدًى على هدى، ونورًا على نور، ورمضانُ أفضل الأوقات لتلاوة القرآن والتأثر به، لأن القرآنَ غذاء الروح، وفي رمضان يضعف سلطان النفس الأمارة بالسوء على البدن للصيام عن غذاء البدن، فتستعلي الروح وتقوى بغذاء القرآن الكريم، فينتفع المسلم بكلام الله غايةَ النفع، ويتلذَّذ بتلاوة القرآن الذي هو غذاءُ روحه وحياتها، فالقرآن العظيم كالغيثِ النافع، والنفسُ كالأرض، ورمضان كالزمان الصالح لنزول الغيث، الذي تنبت الأرض فيه من كل زوجٍ بهيج. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ.

فاغتنموا عباد الله،  أيام رمضان شهر القرآن، فأكثروا فيه من التلاوة لكتاب الله تعالى، مع التدبر والفهم لمعانيه، والعمل بما فيه، فقد كان السلف الصالح يتفرَّغون في هذا الشهر لتلاوة القرآن، وكانت ألسنتهم رطبةً بذكر الله، فمنهم من يختم في رمضان في سبع، ومنهم من يختم في ثلاث، ومنهم من يختم في ليلة.

 فالقرآن أعظم الذكر لله جلّ وعلا وقد جمع للمؤمنين أبواب الهداية وسبل السعادة وطرق الفلاح في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الإسراء:٩ ، ولهذا وجب على من أراد لنفسه حظا وافرا من الذكر لله  أن يُعنى بكتاب الله جلّ وعلا قراءة وتدبرا ومذاكرة وتأملا وعملا وتطبيقا.

و لا يخفى على كل مؤمن فضل ذكر الله تعالى ، فما بالكم بقراءة القرآن الذي هو كلام الخالق جل و علا.

فذكر الله هو أزكى الأعمال وخير الخصال وأحبَّها إلى الله ذي الجلال ذكر الله تعالى، روى الترمذي وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضربوا أعناقكم وتضربوا أعناقهم"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذكر الله تعالى".

الذّاكرون الله تعالى هم السباقون في ميدان السير إلى الله والدار الآخرة، فعن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: "سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ" قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الذَّا كِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ".

وهؤلاء عباد الله هم الذين أعدّ الله لهم النزل الكريمة والثواب العظيم، ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب، الآية:35].  ذكر الله عباد الله و الذكر هو حياة القلوب, فلا حياة لها إلا به، روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت".

وليس للقلوب قرار ولا طمأنينة ولا هناءة ولا لذة، ولا سعادة إلا بذكر الله تعالى، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد، الآية:28].

 ذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدَّة، واليسر بعد العسر، والفرح بعد الغم والهم، وهو تفريج الكربات، وتيسر الأمور، وتحقق الراحة والسعادة في الدنيا والآخرة، وما عولج كرب ولا أزيلت شدَّة بمثل ذكر الله تبارك وتعالى، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول في الكرب: "لا إله إلا الله العظيم، لا إله إلا الله الحليم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم", ويقول عليه الصلاة والسلام: "دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله كربه".

ذكر الله عباد الله، ، جالب للنعم المفقودة, وحافظ للنعم الموجودة، فما استجلبت نعمة وما حفظت نعمة بمثل ذكر الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم، الآية:7].

ذكر الله جلَّ وعلا محطُّ الأوزار وتكفير السيِّئات ورفعة الدرجات، وعلو المنازل عند الله تبارك وتعالى، فما حُطَّت الأوزار بمثل ذكره سبحانه، روى الترمذي عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر  الله تبارك وتعالى"، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "من قال سبحان الله وبحمده  مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وذكر الله تعالى غراس الجنة فما غرست الجنة بمثل ذكره، يقول عليه الصلاة والسلام: "من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة" رواه الترمذي. وروى الترمذي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقيت إبراهيم الخليل ليلة أسري بي فقال لي: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأنها طيبة التربة عذبة الماء وأخبرهم أن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

ذكر الله - عباد الله - كلمات خفيفة على اللسان لاتكلِّف العبد جهدا، ولا يناله منها مشقة، إلا أن لها ثواب عظيم وأجر جزيل، وهي حبيبة إلى الله عزَّ وجلّ روى البخاري في صحيحه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".

عباد الله، وذكر الله جلَّ وعلا هو الطارد للشياطين والمخلِّص من وساوسها وشرورها وكيدها وحبائلها، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[فصلت، الآية:36]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾[المؤمنون، الآية:97-98]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[الأعراف، الآية:201]، ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف، الآية:36] .

جعلنا الله أجمعين من الذاكرين لله حقّا، والمحافظين على طاعته وعبادته صدقا، وهدانا أجمعين لأقرب من هذا رشدا، إنه تبارك وتعالى سميع وهو أهل الرجاء, وحسبنا ونعم الوكيل.

الخطبة الثانية:

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد

 عباد الله - اتقوا الله تعالى - عباد الله - لقد تكاثرت النصوص في الكتاب والسنة وتضافرت الدلائل فيهما في الحث على ذكر الله، والأمر بذكره سبحانه بالكثرة وبيان ثواب المكثرين من ذكر الله في آيات كثيرة، وأحاديث عديدة،  صحَّت عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب، الآية:41-43] يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "فإذا فعلتم ذلك، أي: أكثرتم من ذكر الله تعالى ، صلى الله عليكم وملائكته". ويقول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب، الآية: 35]، ويقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال، الآية:45].

You have no rights to post comments