تعريف الأنام بمقاصد الإسلام

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 

معاشرَ المسلمين، إنّ الشريعةَ الإسلامية ومِن منطَلقِ حِرصها على إسعادِ البشريّة وتحقيق الخير والفلاح للخليقة قد جاءت أحكامُها لمقاصدَ عاليةٍ وتحقيق غايات فاضلةٍ وأهدافٍ سامية، تلكم هي المقاصدُ الشرعيّة التي هي علمٌ من علوم الشريعة، حظِيت من المحقِّقين باهتمامٍ بالغ وعناية فائقة، ذلكم أنّ أيّ تصرُّفٍ يتصرّفه المسلم مهما

حسُنت النوايا يجب أن يكونَ متَّفِقا مع مقاصدِ الدين، متمشِّيًا مع سنّة سيّد الأنبياء والمرسلين، حتى لا يهدم المرءُ إسلامَه من حيث لا يشعُر، ولا يُفسِد دينَه من حيث لا يعقِل، وحينئذٍ مَتى حصلتِ المخالفة لمقاصد الدين حصَل الضلال والإضلال والضررُ والفساد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في حَقّ الخوارج الذين خرَجوا على صحابةِ رسول الله : "وقلَّ من خرَج على ذي السُّلطان إلاّ وتولَّد على فِعله من الشرِّ أعظمُ ممّا تولَّد من الخير ـ إلى أن قال رحمه الله: ـ فما أقاموا دنيا، ولا أبقَوا دينًا" انتهى، ويقول ابن القيم رحمه الله بعد أن قرّر مجيءَ الشريعةِ لمصالح العباد: "وهذا فصلٌ عظيمُ النفع جدًّا، وقع بسبَب الجهل به غلطٌ عظيم على الشريعة" انتهى.

 

وإنَّ أمّتنا وهي تعاني ما تعاني من الشدائدِ والمِحن لفي ضرورةٍ لتفهُّم المقاصد العامَّة لهذا الدين، وفي حاجةٍ ماسَّة لدراسة أهداف شريعة الإسلام والتعمُّق فيها والعَمَل على وقفها؛ لإصلاح المنهَج النظريّ العلميّ والمنهج العمليّ الاجتماعي التطبيقي، خاصّة شباب الإسلام الذين هم عِماد الأمة ومصدرُ قوّتها. نعم، إنَّ الواجبَ عليهم التبصُّر في مقاصد دينهم والوعيُ التامّ لها؛ ليتجنّبوا سوءَ المأخَذ وفساد الاستنتاج وقُبحَ الأعمال، وحتى تترقَّى مداركُهم وتظهرَ جهودُهم في أجمل المظاهرِ التي أرادها هذا الدين، ولتنبع أفعالهم من روحِ الإسلام وتنساق من مقاصِده وتوفِي بحاجات الدّعوةِ وتواكِب مقتضياتِ الزمان وتغيُّرات العصر.

 

معاشرَ المسلمين، مقاصِدُ الشريعة ترجِع في أصلها وتعود في مُجمَلها إلى تحقيق القاعدةِ الكلّية الكُبرى: الحرصُ الشديد على جَلب المصالح وتكثيرها، والتأكيدُ البالِغ على إزالة المفاسد وتقليلها. ومِن هنا فالغاية الجامعةُ والمقصَد العامّ من التشريع في الإسلام بعد تحقيق العبُوديّة لله هو حِفظ نظامِ الأمّة واستدامةُ صلاحها بعمارةِ الأرض، وحِفظُ نظام التعايُش فيها، والحرصُ على حِفظ نظام العالمَ وضبطِ تصرُّفات الناسِ فيه على وجهٍ يعصِم من التفاسُد والتهالك، يقول جل وعلا: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا[الأعراف:56]، ويقول سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22، 23]، ويقول جل وعلا: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[المائدة:64].

 

إخوةَ الإسلام، من المقاصدِ العليا للإسلام في هذه الحياة إقامةُ العدلِ بشتَّى صُوَره وإشاعة الرحمةِ بين الخلق بأوسَع معانيها وتحقيقُ الإحسان في جميع مجالاته، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى[النحل:90]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء107]، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة:83]، ونبينا  يقول: ((إنَّ الله كتَب الإحسانَ على كلِّ شيء)).

 

معاشرَ المسلمين، ومِن المقاصِد الكبرى لشريعة محمّد  تلك الملقَّبة عند العلماءِ بالضروريات الخمس: حفظُ الدين والنفوس والأموال والعقول والأنسابِ، تلك الكلِّيات الخمس التي هي بمنزلةِ الثوابت والقِيَم الخالدة في هذا الدين، والتي بها قِوام حياة الإنسان، وعليها مدارُ العمران، وبها انتظامُ الإسلام، لا يستقيم النظام باختلالها، ولا يهنأ عيشٌ بدون سلامتِها، بل إذا لم تحافظ عليها الأمّة انقلب حالها إلى فسادٍ وتلاشٍ وضعفٍ وهوان، ونصوصُ الشريعة في مراعاةِ هذه الضروريّات أشهرُ من أن تُذكَر، وأبرز ما أن تُحصَر، ولذا ففي التطبيقاتِ العملية من سيِّد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام ومن خلفائه الراشدين ممّا هو متواترٌ وشيء ظاهر مشتهِر في مراعاتها والعمِل على وفقها:

 

إنَّ النبيَّ  وهو في حالة الحرب مع الكفار الحربيِّين ينهى عن قتلِ النساء والصبيان ومن ليس مِن أهل القتال حِفظًا للنفوس من الإهدار والإفساد.

 

وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه ينطلِق في نظراته من هذه المقاصد، يقول: (والذي نفسي بيده، ما يسرُّني أن تفتَحوا مدينةً فيها أربعةُ آلاف مقاتِل بتضييع رجلٍ مسلم) أخرجه سيعد بن منصور في سننه، ونراه يكتب إلى عمّالِه كاتبًا لهم: (لا تستعمِلوا البراءَ بنَ مالك على جيشٍ من جيوش المسلمين؛ لأنّه كان شديدَ الجراءة، يقتحم المهالكَ بأمّة محمد ).

 

ومِن مقاصد الإسلام النهي عن  كلِّ أمر يعود على هذا الدين بالتنفير منه و التشويه، ومَنع إظهار أيّ صورةٍ قد تكون سببًا للمَنع من دخول الناس في دين محمّد ، وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[الأنعام:108]، والنبيّ  قد كفّ عن قتلِ المنافقين في المدينةِ مع كونه مِن أعظم المصالح ذاك الوقت لئلاّ يكون ذريعةً إلى تنفير الناس عن دين الإسلام وقولهم: إنّ محمّدًا يقتل أصحابه.

 

قال العلماء: لأنّ مفسدةَ التنفير أكثرُ من مفسدةِ [ترك] المنافقين، ومصلحةُ التأليف أعظمُ من مصلحة القتل؛ ولذا ففي عالم اليوم تجد المتربِّصين للإسلام يتصيَّدون لكلِّ تصرُّفٍ يصدُر من أبناءِ الإسلام لينالوا من الإسلام وخصائصِه ونبيِّه، مع أنَّ تلك التصرُّفات لا تمتُّ للإسلام بصلة؛ كترويع الآمنين وسفك الدماء وتخريب العمران.

 

ومن مقاصدِ شريعة الإسلام تحقيقُ وَحدة المسلمين والتأليف بين قلوبهم وجمعُ كلمتهم ومنع كلِّ ذريعة للتفرُّق والاختلاف والتنازُع، قال ابن القيم: "وهذا مِن أعظمِ مقاصد الشَّرع، وقد سَدَّ الشرع الذريعةَ إلى ما يناقضه بكلّ طريق حتى في تسوية الصفِّ في الصلاةِ لئلاّ تختلفَ القلوب، وشواهدُ ذلك أكثر من أن تُذكَر" انتهى، يقول الله جلّ وعلا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا[آل عمران:103]، ويقول جل وعلا: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[الأنفال:46]، ونبيُّنا  يقول فيما رواه مسلم: ((من خرَج من الطاعة وفارقَ الجماعةَ فمات ماتَ ميتةً جاهلية)) والعياذ بالله.

 

ومن هنا حرص الأعداءُ بكلِّ طريقٍ على تعميق الهوَّة بين أفرادِ الأمة وبين علمائها وولاةِ أمورها، حتى يحصل الشرّ العظيمُ بالأمّة ويتحقّق للأعداءِ ما يريدون، لذا فالضرورةُ اليومَ داعيةٌ إلى التكامُل والتعاضد بين العلماء والحكّام والمجتمع ككلّ على جاءت به الشريعةِ لتحقيق المقاصدِ الشرعيّة والأهداف المرعية التي جاء بها سيِّد الخلق محمد.

 

إخوةَ الإيمان، ومِن مقاصد شريعة الإسلام سدُّ الفِتَن وأبوابها ومنعُ الشرور وطُرُقها، يقول ابن القيم رحمه الله في تأصيل قاعدةِ سدّ الذرائع: " "هذا و الإنكارِ على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنة إلى آخر الدهر ـ إلى أن قال: ـ ومن تأمّل ما جرى على الإسلام في الفِتن الكبار والصِّغار رآها مِن إضاعةِ هذا الأصلِ وهو إنكار المنكر إذا كان يترتّب عليه ما هو أنكرُ منه، ومِن عدم الصبر على المنكَر، فيُطلَب إزالتُه، فيتولّدُ منه ما هو أكبر منه" انتهى.

 

وانطلاقًا من هذا المبدأ قرّر محقِّقو العلماء مبدأً مهِمًّا يجب أن يُفعَّلَ في واقع المسلمين، وهو قولهم: ليس كلُّ ما هو حقّ معلومٌ يجوز نشرُه ممّا يؤدّي إعلانُه إلى مفسدَة من فتنةٍ وفوضى وشرّ، قال الشاطبي رحمه الله: "ومنها ـ أي: العلوم ـ ما لا يُطلَب نشرُه بإطلاق، وذلك ممّا يتضمَّن ضررًا محضًا" انتهى، خاصةً عند العامّة وشباب الأمة ممّن قد يكون لبعضهم فتنةً لعدم وجودِ العلم الكافي لديهم، وعدمِ الإدراك الكامل، وهذا منهَج معروف عند سلفِ هذه الأمّة، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ما أنتَ بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلُغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)،

 

ومِن مقاصد الإسلام تحريرُ العقول من التقليدِ والتَّبعيّة المجرّدَة، تلك التبعيّةُ التي تستعبد الأفكارَ و العقولَ من باب الإعجابِ بالآراء ليس إلاّ كيفَ كانت، وتنزيهها من الخطأ، ، وتسود عقليةُ التسليم مهما كانت الآراءُ المتلقّاة لا تنهَض على حجَّةٍ ولا يقودها دليلٌ سوى العاطفة والحماس.لسان حالهم رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا,

 

لذا حريٌّ بشبابِ الأمّةِ شبابِ محمّد  أن يتّقوا الله جلّ وعلا في دينهم، وأن لا يأخذوا الفتاوى والآراءَ إلا من أهلِها أصحابِ الدّراية والروايةِ، وليحذَروا من تلك الشّبكاتِ العنكبوتية التي تبرز الغَثّ والسمين والصوابَ والخطأ، لا يُعلَم مصدرُها، ولا يوثَق بخبرها، والله جل وعلا يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[النحل:43]، وفي الحديث: ((حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتَّخذ الناسُ رؤوسًا جهّالا، فأفتوا فضلّوا وأضلّوا)) عياذًا بالله.

 

نفعنا الله بما سمعنا، وبارك الله لنا في القرآن والسنّة، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

معاشرَ المسلمين، من مقاصدِ شريعة الإسلام التركيزُ على الفقهِ في الدّين ومداولةِ تعاليمه بعلمٍ شرعيٍّ فيه من الله برهانٌ مبين، فالخير كلُّ الخير للأفرادِ والأمّة جميعًا بثُّ العلوم الشرعيّة والمعارف السُّنِّيّة، فرسولنا  يقول: ((من يُردِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدين)).

 

والأمّة على مستوى أفرادها ومجتمعاتها ينبغي أن لا تصدُر ولا ترِد إلاّ بعلمٍ دقيق وفقهٍ ضليع في عباداتها وفي جميع شؤون حياتها، وذلك لا يكون إلاّ عن طريق التلقِّي من العلماء ذوي النظرِ السديد في فقه الشريعة والتمكُّن الدقيق في معرفةِ مقاصدها،

 

كما معرفة ما جاءت الشريعة في أقوالها وتصرّفاتها حجّةٌ قاطعة بأنّ من مقاصدها العليا أن يوجَد للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحها ويقيمون العدلَ وينفِّذون أحكامَ الله فيها، لذا كانت الولايةُ السلطانية من لوازم الشريعة، لئلاّ تكون في بعضِ الأوقات معطّلةً، يقول عليّ رضي الله عنه وهو من مدرسةِ محمّد : (إنّ الناسَ لا يُصلحهم إلا إمامٌ برّ أو فاجر).

 

ومن هنا ألزمتِ الشريعةُ الحاكمَ بتقوى الله عز وجل و العدل في كلّ أموره، وبالسّعي في جلب مصالح الأمة ودفع المفاسد عنها، وأوجبت على الرعيّةِ طاعةَ الحاكم في غير معصية الله، وعدمَ الخروج أو الافتيات عليه، بل له في الشريعة الدعاءُ والنّصحُ الصادق برفقٍ ولُطفٍ، مع المعاونة له على الحقّ.


You have no rights to post comments