السنة النبوية خير مؤدب

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

إن السنة النبوية هي أعظم ما يعتني به الإنسان: فهي للأجيال خير مربٍ ومؤدب، وللأمة أفضل معلم ومهذب، وليس هناك أمتع للمرء من التحدث عمن يحب، فكيف والمحبوب هو حبيب رب العالمين، وسيد الأولين والآخرين؟ فهو مِنَّةُ الله على البشرية، ورحمته على الإنسانية، ونعمته على الأمة الإسلامية، فبالله ثم بمحمد بن عبد الله قامت شريعة، وشيدت دولة، وصُنِعَت حضارة، وأسست ملة من ملل الهدى ، بُنيت على التوحيد؛ وهي حقيقة نادى بها الحُكماء والعقلاء، وليس هناك أحد من البشر نال من الحب والتقدير ما ناله المصطفى صلى الله عليه وسلم، فباسمه تلهج ملايين الألسنة، وبذكره تهتز قلوب الملايين، ولكنَّ العبرةَ أن يتحول هذا الحب إلى اتباع دقيق، لكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام، كما قال الحق -تبارك وتعالى- مبيناً معيار المحبة الصادقة: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران:31].

إخوة الإيمان! و في هذا العصر الذي تقاذفت فيه الُأمةَ أمواجُ المحن، وتشابكت فيه حلقات الفتن، وغلبت فيه الأهواء، واستحكمت فيه الأكاذيب والآراء، وواجهت فيه الأمة ألواناً من التحدي الماكر، والتآمر الجائر من قبل أعداء الإسلام الذين رموه عن قوس واحدة.فإن الأمة في حاجة شديدة إلى الاقتباس من مشكاة النبوة والسنة المباركة ومعرفة السيرة العطرة، اهتداء واقتداء.

ويزداد الأسى حين يجهل كثير من أهل الإسلام حقائق دينهم، وجوهر عقيدتهم، ويسيرون مع التيارات الجارفة دون تمحيص ولا تحقيق، أو يتعلقون بموروثات مبتدعة دون برهان ولا تدقيق، وقد صح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد } أخرجه مسلم في صحيحه .

أيها الإخوة في الله! يا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذه وقفات ومقتطفات مع جانب من أهم جوانب السنة العطرة، والسيرة المباركة، ذلكم هو جانب الشمائل النبوية، ، والآداب المحمدية ، فهي نعيم وينبوع صافٍ متدفق، يرتوي منه كل من أراد السلامة من نجس الشرك و الوثنية، والنجاة من رجز الجاهلية، بل هي المنظومة المتألقة، والكوكبة المتلألئة، والشمس الساطعة، ، والمشعل الوضاء الذي يزيل سحب الظلم والظلام، ولئن فات الكثيرين رؤيته صلى الله عليه وسلم بأبصارهم فإن في تأمل شمائله لعزاء وسلوان، فالمطبقون لشمائله إن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا.

إخوة العقيدة! إننا بحاجة إلى تجديد المسار على ضوء السنة المطهرة، وتصحيح المواقف على ضوء السنة العطرة، والوقوف طويلاً للمحاسبة والمراجعة، نُريد من مطالعة السنة والسيرة، ما يزيد الإيمان ويُزكِّي النفوس، ويعلو بالأخلاق، ويقوم المسيرة.

يُخطئ كثيرون حينما ينظرون إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته، كما ينظر الآخرون إلى عظمائهم في نواحٍ قاصرة محدودة بعلم أو عبقرية أو حنكة، فرسولنا صلى الله عليه وسلم قد جمع نواحي العظمة الإنسانية كلها، في ذاته وشمائله وجميع أحواله؛ لكنه مع ذلك ليس رباً فيقصد، ولا إلهاً فيعبد، وإنما هو نبي يطاع، ورسولٌ يُتبِّع.

أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله } إن من المؤسف حقاً أن بعض أهل الإسلام لم يقدروا رسولهم صلى الله عليه وسلم حق قدره، حتى وهم يتوجهون إليه بالحب والتعظيم، ذلك أنه حب سلبي لا أثر له في واقع الحياة، ولا أثر له في السلوك والامتثال.

أمة الإسلام: تأملوا هديه وشمائله - عليه الصلاة والسلام- في جوانب الدين والدنيا بأسرها، ففي مجال توحيده لربه صدع بالتوحيد، ودعا إليه ثلاث عشرة سنة بـ مكة وعشراً بـ المدينة ، كيف لا؟ وهو المنزل عليه قوله سبحانه: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام:162] { لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام:163].

وإن أول واجب على محبيه أن يُعنوا بأمر الدعوة إلى توحيد الله التي قامت عليها رسالته عليه الصلاة والسلام، ومحاذرة كل ما يخدش صحيح المعتقد، وصفو المتابعة، من أنواع الشركيات والبدع والمحدثات. التي ما توقف رسول الله صلى الله عليه و سلم عن التحذير منها فعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا تيك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة .

 

وفي مجال عبوديته لربه قام من الليل حتى تفطرت قدماه، فيقال له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: { أفلا أكون عبداً شكوراً } أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! وفي مجال الأخلاق تجدوه مثال الكمال في رقة القلب، وسماحة اليد، وكف الأذى، وبذل الإحسان، وعفة النفس، واستقامة السيرة، كان عليه الصلاة والسلام دائم البشر، سهل الطبع، لين الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح.

وأعظم  الوصف وأبلغه ثناءُ ربه عليه بقوله: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4] { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [آل عمران:159].

يقول أنس رضي الله عنه: [[ ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أحسن من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا ]].

هناك صفحة أخرى -يا رعاكم الله- في معاملاته لأصحابه وأهل بيته وزوجاته، يقول صلى الله عليه وسلم: { أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم } أخرجه أحمد وأهل السنن، وهكذا في سياسة الدولة الإسلامية، وفي عبادته لربه، وفي نفقته وبذله، وفي قوته وجهاده، وحرصه على أداء رسالة الله، وتبليغ دعوة ربه تبارك وتعالى.

وهاكم -رعاكم مولاكم- أنموذجاً على حكمته في الدعوة ورفقه بالمدعوين، ورحمته بالناس مسلمين وغير مسلمين: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء:107].

ومراعاته لحقوق الإنسان، بل ورفقه حتى بالحيوان في وقت تتغنى فيه حضارة اليوم بدوس كرامة الإنسان، وراعيةً للحيوان!! والله المستعان.

ويتجلى هذا الأنموذج الرائع في قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد حين نهره الصحابة -رضي الله عنهم- فقال صلى الله عليه وسلم: { دعوه لا تزرموه - أي: لا تنهروه- }، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: { إنما بُعثتم مبشرين ولم تبعثوا معسرين } وأرشده برفق وحكمة، وكانت النتيجة أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، متفق عليه.

 

الله أكبر! تلك آثار الدعوة بالرفق والرحمة والحسنى، والبعد عن مسالك العنف والغلظة والفظاظة، وهو درس بليغ للدعاة إلى الله إلى قيام الساعة:

ولما قيل له عليه الصلاة والسلام: ألا تدعو على المشركين؟

قال: { إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة للعالمين } أخرجه مسلم .

وقال لهم: { ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اذهبوا فأنتم الطلقاء }.

وهل تدرك الأمة الإسلامية اليوم الطريقة المثلى للدعوة إلى دينها، وإحياء سنة رسولها صلى الله عليه وسلم، إحياءً عملياً حقيقياً لا صورياً وشكلياً.

إن حقاً على أهل الإسلام وهم المؤتمنون على ميراث النبوة، أن تصقلهم الوقائع، وتربيهم التجارب، إذ لا تزال الفتن والخطوب مدلهمة على هذه الأمة.

وإن الأمة اليوم بأمس الحاجة في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخها إلى التمسك الصحيح بدينها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم في محبةٍ وتآلف واعتصام، وفي سماحة ويُسرٍ ووئام، وبذلك تتحقق وحدة الصف، وجمع الشمل، وتوحيد الكلمة على منهج الكتاب والسنة لفهم سلف الأمة رحمهم الله، فلن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وبذلك تنكشف الغمة عن هذه الأمة، وما ذلك على الله بعزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب:21] بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل خطيئة وإثم؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

لحمد لله الذي أبان الطريق وأوضح المحجة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبد الله ورسوله، كساه من حلل النبوة ما زاده مهابة وبهجة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين فدوه بكل ما لديهم من نفس ومهجة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما أمَّ هذا البيت زائر واعتمره وحجه.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله! وأشربوا قلوبكم وأرواحكم من شمائل نبيكم صلى الله عليه وسلم، وتأملوا خصاله العظيمة، وشمائله الكريمة، واربطوا أنفسكم وناشئتكم وأسركم بها، رباطاً محكماً وثيقاً، يسمو عن التخصيص في أوقات، والتعيين في مناسبات؛ فليس هذا من منهج السلف الثقات.

واعلموا -رحمكم الله- أن هذه الشمائل المصطفوية، والسجايا النبوية، ينبغي أن يكون لها تأثير عملي في إصلاح المنهج، وأثر تطبيقي في إحكام المسيرة والبناء، في عصر كثرت فيه المتغيرات، وتسارعت فيه المستجدات، عبر كثيرٍ من القنوات والشبكات، فالسنة خير عاصم من شرور هذه القواصم.

وإن الأمة اليوم في حاجة أكثر من أي زمن مضى إلى الاتحاد على منهج الكتاب والسنة، حتى تتلقى الجهود في ميدان واحد، نحو الهدف السامي الذي يسعى إليه كل مسلم، لقيادة سفينة الأمة إلى بر الأمان، وشاطئ السلام، بعيداً عن كل ما يُعكِّر صفو ورودها، وإن كل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام في خدمة دينه وعقيدته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بحسب مكانه ومسئوليته، فأروا الله -أيها المسلمون- من أنفسكم خيراً.

 

سيروا بخطى متوازنة، يتوجها العلم الشرعي الذي من خلاله يبنى الوعي الواقعي، لتأخذ هذه الأمة دورها القيادي، ومكانها الريادي من جديد في مقدمة الركب، ولتقود البشرية الحيرى مرة أخرى إلى مواطن العز والشرف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى، صاحب الحوض المورود واللواء المعقود والمقام المحمود.

You have no rights to post comments