تنبيهات هامة تتعلق بشهر شعبان

كتب بواسطة: عبد السلام فليسي on . Posted in الأَمْكِنَةُ وَالأَزْمِنَةُ الفَاضِلَةُ

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)) [رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح].ولنا مع هذا الحديث الذي يتعلق بالنصف من شعبان أربع وقفات مهمة:

الأولى: أن الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك فتفقد نفسك يا عبد الله، وفتش باطنها، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، ولا تظنن بنفسك خيرا بل اتهمها في جانب الله وفي تقصيرها، ولا تقل أني بريء من الشركيات، ولا يمكن أن أقع فيها، ويكفى أنني أعيش في بلد الإسلام، فإن هذا غرور وجهل منك، إذا كان أبو الأنبياء وإمام الحنفاء خليل الرحمن يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام وقد بين إبراهيم ما يوجب الخوف من ذلك فقال: رب انهن أضللن كثيراً من الناس.

قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: الرياء)) ومن عظيم فقه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد أن جعل بابا بعنوان: باب الخوف من الشرك ثم ساق الآيات والأحاديث في هذا المعنى، والله عز وجل قد حذر نبيه بل وكل الأنبياء من الشرك، وأوصي إليهم بأن أعمالهم تحبط إن أشركوا، وهم أفضل الخلق فقال تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ثم يقول له: بل الله فاعبد وكن من الشاكرين.

 

أيها المسلمون، فلقائلٍ أن يقول مستفهماً: هل يُعقل في أزمنةِ الحضارة المادية والثقافات العولمية ودائرة الأقلام السيّالة أن تتسرَّب عبادة الأصنام وتعظيمها إلى مجتمعاتها المعاصرة؟! فالجواب: نعم، ولا عجب من ذلك إذا تنسّخ العلم، وضعف الدين في النفوس، ولا أدلّ على ذلك من وجود معبودات في هذا العصر، منها ما هو على هيئة نصُب، ومنها ما هو على هيئة حيوانٍ أعجم، وليس ذلك بخافٍ على كل ذي لبٍّ ونظر.

ثم إن الجاهليين الأولين كانت لهم عقول مثل عقولنا، وأجساد كأجسادنا، ولهم لسان فصيح وسيادات بين العرب، وجميعهم يقرّون أن الخالق والرازق والمدبر هو الله وحده، ومع ذلك عبدوا الأصنام وعظموها، وإلا لما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام.

ولتأكيد هذا القول ـ عباد الله ـ فإن النبي قد خاف من دبيب هذه اللّوثة على أمته، بل لقد بيّن أن هذه اللوثة ستطيح ببعض الناس في آخر الزمان، فقد روى أبو داود في سننه عن النبي قال: ((لا تقوم الساعة حتى تعبُد قبائل من أمتي الأوثان)) [21] ، بل قد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَلَيات نساء دوس على ذي الخلصة)) [22] ، وذو الخلصة صنم معروف كسره جرير بن عبد الله البجلي لما بعثه النبي إلى اليمن، فدلّ على أن الأمر سيعود بمثل ما كان.

إذاً، هي الأيام يداولها الله بين الناس، فمن موحّدٍ فيها ومن مشرك، ومن خائف من مكر الله فيها ومن آمن، فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْخَـ?سِرُونَ [الأعراف:99]، وإلا فما سرُّ تحذير النبي ، وكان قد أسَّس دولةَ التوحيد، ومحا الشركَ في عصره، حيث يقول وهو يعالج سكرات الموت في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) [23] ، ثم خشي من تسلل هذا الداء بعد وفاته فقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد)) رواه مالك [24].

السلام؟!" [25] ، فلا يأمن الوقوع في لوثة الأصنام والتماثيل إلا من هو جاهل بها، وبما يُخلّص منها، من العلم بالله وبما بعث به رسوله ، من التوحيد الخالص والنهي عن الشرك به، يقول ابن القيم رحمه الله عن دور الشيطان في هذا الميدان: "وما زال الشيطان يوحي إلى عُبَّاد القبور بالبناء والعكوف عليها، ثم ينقلهم منه إلى دعائهم وعبادتهم واتخاذهم أوثاناً، تُعلَّق عليهم القناديل و الستور، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقّص أهل هذه الرتب العالية، وحطّهم عن منزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، فيغضب المشركون، وتشمئز قلوبهم، كما قال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَحْدَهُ ?شْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ?لَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]، وترى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفَّروا الناس عنهم" [26].

ثم لتعلموا ـ عباد الله ـ أن الصنم قد يطلق على الوثن، كما قرر ذلك بعض أهل العلم، والوثن هو كلّ ما عُبد من دون الله على أي وجهٍ كان، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَـانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30].

وقد قصرت مفاهيم بعض الناس معنى عبادة غير الله على مجرّد عبادة الحجر أو الصنم، وهذا من فرط جهلهم بحقيقة هذه المسألة، إذ ليس بلازم أن يكون الشرك بالله محصوراً عند الصنم والركوع والسجود له، بل لقد أوضح النبي هذا الفهم القاصر، وذلك حينما سمع عديُّ بن حاتم رسول الله وهو يقرأ قول الله: ?تَّخَذُواْ أَحْبَـ?رَهُمْ وَرُهْبَـ?نَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ?للَّهِ [التوبة:31]، فقال عدي: إنا لسنا نعبدهم! قال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟! ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟!)) قال: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم)) رواه أحمد والترمذي وحسنه [27].

معاشر المسلمين، واعلموا أن لله الدين الخالص، وأن على كل مسلم ومسلمة تطهير النفوس من الدواخل والشواغل الصارفة عن أن يُعبد الله وحده في الأرض، كما أن علينا جميعاً الامتثال لأمر الله ورسوله ، وتقديمهما على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وليحرص الناس جميعاً على تطهير مجتمعاتهم من رجس الأصنام والتماثيل قدر الطاقة، لا سيما مما يتكاثر انتشاره في البيوت من باب الزينة والاقتناء، لأن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه تمثال أو صورة، وقد كان الفاروق رضي الله عنه إذا دُعي إلى وليمة سأل الداعي إن كان في بيته شيء من التماثيل أو الصور، فإن قال: لا أجاب دعوته.

ألا فإن درأ المفاسد وسد الذرائع المفضية إلى الشرك لأمر جلل، ينبغي أن لا يغفل عنه المسلمون بعامة، فما قطعُ عمر لشجرة الرضوان إلا من هذا الباب. ثم إن اتخاذ التماثيل والأصنام أو تعظيمها وتعظيم الأضرحة لهو أمر حادث في الإسلام، وإحداثه لم يكن متصلاً بأهل العلم والتقوى، وإنما هو من إدخالات ذوي الأهواء والجهالات وذوي السلطة والغلبة، إذ في القرآن الكريم إشارة إلى مثل هذا بقول الله تعالى عن أصحاب الكهف: قَالَ ?لَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى? أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا [الكهف:21].

لقد استفحل هذا الأمر في هذه العصور المتأخرة حتى وقع بعضهم في شرك الربوبية والألوهية، فاعتقدوا في بعض أهل القبور، وصوّروا لهم الأصنام والتماثيل، وزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويجيبون من توجّه إليهم، وأن لهم القدرة على تفريج الكربات وقضاء الحاجات، حتى صارت كالأنصاب التي يتخذها مشركو العرب، فأقسموا بها، واستشفعوا واستنصروا ولاذوا، بل سيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها القرابين، بل ولربّما جعلوها نصباً تذكارية لعظيم، وجعلوا لها من الحرمة والعظمة وعقوبة الاعتداء عليه ما لا يُجعل لمن اعتدى على دين الله أو سبّ الله ورسولَه.

وقد تحدث ابن القيم رحمه الله معلقا على غزوة النبي للطائف وهدمه لصنم اللات فقال: "وفي ذلك من الفوائد أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم الأضرحة والقبور التي اتخذت أوثاناً تُعبد من دون الله، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم شركا عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعةً، والبدعة سنةً، واشتدت غربة الإسلام، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين" [1].

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك مما لا نعلم، إنك كنت غفاراً.

 

 

 

الخطبة الثانية:

الوقفة الثانية: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي وحجة دينية، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا))، وقد وصف الله المؤمنين عموما بأنهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، فأقِل يا عبد الله حتى تُقال.

الوقفة الثالثة: إحياء بعض الناس لليلة النصف من شعبان، وبعضهم يصليها في جماعة ويحتفلون بأشياء وربما زينوا بيوتهم، وكل هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم القدوة لمن أراد سواء السبيل وما ثبت في هذه الليلة من فضل هو ما قدمناه من أنك يجب عليك أن تحقق التوحيد الواجب، وتنأى بنفسك عن الشرك، وأن تصفح وتعفوا عمن بينك وبينه عداوة وشحناء، أما إحداث البدع في هذه الليلة فإن أهلها هم أولى الناس بالبعد عن رحمة الله، وأن ينظروا هم حتى يتوبوا من بدعتهم.

الوقف الرابعة: أن لا يصوم الإنسان بعد منتصف شعبان بنية استقبال رمضان وحتى يحتاط لشهر رمضان بزعمه فإن هذا من التنطع والغلو في الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان)) فهذا الحديث وما في معناه للذين يستقبلون رمضان بالصيام بنية الاحتياط ، وهذا النهي متوجه إلى من تعمد الصوم بعد النصف لا العادة ولا مضافاً إلى ما قبله، ولا يدخل في هذا صوم نصفه الثاني مع النصف الأول من شعبان أو أن يصوم الإنسان ما كان معتادا له من صيام الاثنين والخميس مثلا، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو القضاء، أو النذر.

وما له تعلق بهذا أيضا، حرمة صيام يوم الشك قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم. ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان و هو يوم الثلاثين، فيحرم صومه بنية الاحتياط قال: صلى الله عليه وسلم: ((لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه)) فهذا في الرجل الذي له عادة ويصومه بنية التطوع لا بنية الفرض، وأنه من رمضان أو بنية الاحتياط، فالنية هي الفيصل هنا، ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).

You have no rights to post comments

High Quality Free Joomla Templates by MightyJoomla | Design Inspiration FCT