أسباب الهزيمة

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

أيها المسلمون: إن المتأمل في هزائم المسلمين المتلاحقة، وضعفهم أمام أعدائهم؛و سفك دماءهم في كل مكان من العالم، يجد أنها لم تكن بدعاً من الأمر، ولا هي نتائج بلا مقدمات، ولا أسباب، وإنما هي ثمرة خلل وانحراف في ميدان الأمة الإسلامية، وتقصير ملحوظ في حق خالقها ورسولها صلى الله عليه وسلم ودينها، وهذه الثغرات والفتوق هي التي أذكاها أعداء الإسلام بما يبثونه عبر سنين عديدة من المكر والخديعة، منذ زمن على الإسلام والمسلمين.

وبسبب حقدها هذا اختبأت وراء صور الاستعمار المتنوعة، والأساليب الخبيثة، فإذا احتاج الأمر إلى المكر لانت، وإذا احتاج الأمر إلى القسوة بطشت، وهي في لينها تبثُّ السمَّ في العسل، وفي شدتها تحترف الهمجية والعدوان ، وهي في كلتا الحالتين لا تنام عن غايتها أبداً

كما أخبر ربنا سبحانه : لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ أي مشقتكم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.

 لا يقصرون في إفساد الأمور عليكم فساداً في أمور دينكم وديناكم.

أيها المسلمون: إن الكثيرين منا ليتساءلون بعد كل محنة تحل بدار الإسلام ما السبب؟كل صور الاستفهام تتناثر صيحاتها في مسامعنا حيناً بعد آخر.

ولكن هل نجعل هذا التساؤل جديداً على أسماعنا؟ أم أن في أفئدتنا وما أعطانا الله من صلة بكتابه العزيز، ما يذكر بسؤال مماثل لسلفنا الأولين  في أزمة هي من أشد الأزمات التي حلت بهم، ألا وهي هزيمتهم في معركة أحد ، يندبون حالهم، ومن ثم يتساءلون فيقول الله عنهم: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } [آل عمران:165] فيجيبهم الله بخمس كلمات لم ينسب ولا في كلمة واحدة سبب الهزيمة إلى جيش ولا إلى عدة، ولا إلى خطة في قتال، وإنما قال لهم بصريح العبارة: { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } [آل عمران:165].

 

يقول الله لهم ذلك؛ ليبين لهم ولمن بعدهم بوضوح أن خواتيم الصراعات والمدافعات بين الأمم على كافة الأصعدة لا يمكن أن تقع خبط عشواء، وإنما هي وفق مقدمات أثمرت النتيجة بعد استكمال أسبابها: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى:30].

إن الهزائم تقع  ليستيقظ الناس، وتتوالى الضربات لتحل المحاسبة محل النفس، ويتضح مثل هذا بما أتبع الله الآية بقوله: { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا } [آل عمران:166-167].

 

لقد كتب الله سبحانه على نفسه النصر لرسله وأوليائه، فقال سبحانه: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [المجادلة:21].

 

ولكن الله سبحانه علق هذا النصر بتحقيق الإيمان في القلوب وأثره في كل مناحي الحياة، وهذه هي سنة الله في النصر، وسنة الله لا تجامل أحداً، وحين تقصر الأمة وتفرط فعليها أن تقبل النتيجة المرة؛ لأنها مع كونها مسلمة إلا أن ذلك لا يقتضي مخالفة السنن وإبطالها فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.

أيها المسلمون: إن على رأس الضعف الأصيل البعد عن تشخيص الأحداث بصورتها الحقيقية، مع الاكتفاء بمجرد التلاوم، وإلقاء التبعة على الغير، فعامة الناس يلقون باللائمة على العلماء  والقادة  وما القادة، والسياسيون، والعلماء، والمصلحون، والعامة إلا جزء من كل، ولا استقلال في اللوم لصنف دون آخر، وإلا كان جرماً واستكباراً وخروجاً عن الواقعية، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته }. و لم يستثني من ذلك أحدا

عباد الله:إن الناس إن لم يجمعهم الحق فرقهم الباطل، وإذا لم توحدهم عبادة الرحمان، فرقتهم غواية الشيطان، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة ملك قلوبهم حب الدنيا، فتخاصموا عليها، ولو دققنا النظر في كثير من العداوات لرأينا حب الدنيا والطمع الأعمى يكمن وراء هذه الحزازات، وهذا هو سر الوهن العظيم الذي سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: { وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قيل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت }.

ويظهر هذا الأمر جلياً في سبب من أسباب هزيمة المسلمين في أحد حيث يقول الله تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ }

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[ والله ما علمت أن معنا في أحد من كان يريد الدنيا إلا لما نزلت هذه الآية ]]

ومن المفاهيم التي يجب أن تعرف: هو أن منطق الأعداء الحاقدين واحد، وهو برمته ليس جديداً على الساحة العامة، كما أن قلب الحقائق وتشويه صورة المسلمين ليست هي بدعة العصر الحديث، فمنطق المجرمين واحد، ولو تطاولت القرون، وإن شئتم -يا رعاكم الله- فاسمعوا قول فرعون عن موسى عليه السلام: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } هذا هو منطق فرعون الأول، يُظهر غيرته على دين الناس وأمنهم، فهو يخاف عليهم من إفساد موسى في الأرض، فيقرر أن موسى يرهب أهل الأرض جميعاً فهو لا يستحق البقاء هذا هو منطق فرعون الأمس، وهاهو التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة! فهل يتعظ المسلمون ويقولون من بعد ذلك: { أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } [آل عمران: 165].

 

إن استجابة النفس للدعاوى الأفاكة، والاستسلام لشيوعها، والتي تصل بسبب قوة طرحها والتأثير الإعلامي لها إلى درجة الرضا بها، والقبول لها، ومن ثم يتحول الافتراء إلى حقيقة مسلَّمة، وواقع لا شك فيه،.

إن تغير هذا الواقع المرير إلى واقع رفيع مرهون ولا شك بتغير واقع الناس أنفسهم، وهذا يعني -بداهة- أنه متى دب الضعف، وتأخر النصر؛ فإن هناك أسباباً تؤخره بلا ريب، ورأس هذه الأسباب: هو أن الباحثين عن نصر الله وتغير حالهم لم يغيروا ما بأنفسهم، والله جل شأنه يقول: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد:11].

 

قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم

المعصية وأثرها في الهزيمة

الحمد لله على كل حال، وله الشكر بالغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصاحبه

أما بعد:-

فاتقوا الله أيها المسلمون! واعلموا أن ثمة مفهوماً مهماً ينبغي ألا نغفل عنه، لأنه لبٌّ في الموضوع، وعمود ارتكاز في التصحيح، ألا وهو المعصية وما لها من أثر وشؤم وموقع عظيم في تحديد معايير النصر والهزيمة.

 

وإن من يلقي النظر على غزوة أحد ، وإلى السبب الرئيسي للهزيمة؛ يجد أنه يكمن في المعصية، والتي تلقى المسلمون بسببها ضربة موجعة أفقدتهم من رجالهم سبعين بطلاً، على رأسهم سيد الشهداء حمزة رضي الله تعالى عنه فردتهم الهزيمة إلى المدينة ، وهم يعانون الأمرّين من جرائها وشماتة كفار قريش.

وإن تعجبوا يا عباد الله! فعجب أمر هذه المعصية في أحد ! إنها لم تكن في انتشار زناً بينهم، ولا في شرب خمر ، ولم تكن في فساد امرأة أو انحراف شباب، بل إنهم خرجوا إلى أحد ومعهم إيمانهم بالله، وحبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، ودفاعهم عن الحق، وطلبهم رفعة الدين ونصرته.

وكل ذلك في الواقع يرشحهم بأقوى أنواع الترشيح في أن ينتصروا ولا يهزموا، ولكن يبلو الله المؤمنين في أحد فينزل الرماة عن الجبل، لا لقصد عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لما رأوه من الانتصار للمسلمين، فخاف بعضهم فوات حظه من الغنائم، ثم كانت الكارثة هزيمة موجعة فاجعة مهولة، وأثابهم الله غماً بغم، وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم، وشج رأسه، وقتل سبعون شهيداً.

فالله أكبر ما أعظم أثر المعصية على واقع المسلمين! حتى في أحلك الظروف.

تلك هي معصيتهم فما هي معاصينا إذاً؟

إنه لسؤال صعب والجواب عليه أشد من لعق الحنظل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

بعُد كثير منا عن دين الله، و أصابتنا الذلة لمّا تعاملنا بالربا، و رضينا بالزرع، مات عند الكثير من الناس الشعور بالذنب، مات عندهم الشعور بالتقصير، حتى ظن الكثير منهم أنهم على خير عظيم، بل ربما لم يرد على خاطره أصلاً أنه مقصر في أمور دينه، فبمجرد قيامه ببعض الأركان و الواجبات ظن نفسه قد حاز الإسلام كله، و أن الجنة تنتظره، و نسي هذا المسكين مئات الذنوب و المعاصي التي يرتكبها صباحاً و مساء، من غيبة، و بهتان، و نظر لحرام، و شرب لحرام، و استماع لحرام، و لعب بالحرام، و أكل للحرام، و ترك لواجب، و فعل لمحرّم، و تأخر فريضة، و تهاون فيها،......، و هكذا من المعاصي و المخالفات التي استهان الناس بها، و التي تكون سبباً للهلاك و الخسارة في الدنيا و الآخرة، فضلاً عن الكبائر، و الموبقات، و الفواحش، و الرشوة، و السرقة، و العقوق، و الكذب، و قطع الأرحام، و الخيانة، و الغش، و الغدر

كم هم في مجتمعاتنا المتخلفون عن الصلوات في الجماعات ؟ والسائرون في الغي واللهو والشهوات ؟ كم هم الذين لم يلتفت نظرهم إلى حديث أبي هريرة عند البخاري في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام فآمر برجل فيؤم الناس ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ) .

وهذه أمور موجودة لا نحتاج إلى إفاضة القول فيها ، ولئن خصصنا ؛ فإننا نخصص صلاة الفجر ، تلك الفريضة التي رحم الله من يؤديها ،

و أخطر من كل ذلك ما نشاهده ونلمسه في كثير من البقاع من انتشار الشرك بالله وعبادة غير الله من مثل القبور والتواصي بها وسؤالها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء المرضى، وإدرار الرزق وغير ذلك من الأمور التي لا يملكها إلا الله عز وجل.

 

مما يعظم به خطر الذنوب على المجتمع عدم الإنكار على أهل الذنوب والمعاصي، بل مجالستهم ومشاركتهم بالسكوت عنهم، وهذا من أسباب عموم العذاب واللعنة قال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ثم إن النجاة حين ينزل العذاب تكون للمصلحين فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون

إن شؤم المعصية يعم مهما قل حجمها، أو ضعف الاكتراث بها، إنها تمحق البركة، وتفسد العمل، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم رواه ابن ماجه

You have no rights to post comments