مكانة الدعوة إلى الله عز وجل

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

الدعوة إلى الله عز وجل وظيفة الأنبياء، ووظيفة المرسلين تلك التبعة الثقيلة، والأمانة الكبيرة، والمسئولية العظيمة،، وقد امتن الله عز وجل على ختامهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فجعل هذه الوظيفة في أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

شرف الله جل وعلا بها الأنبياء والمرسلين، وجعلها وظيفة باقية في خير أمة أرسلت للناس، فالدعوة إلى الله جل وعلا هي من أشرف الأعمال على ظهر الأرض، ولم لا وهي دعوة أنبياء الله ورسله: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33]

ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ).

فما من نبي إلا وله أنصار، وحواريون وأصحاب، يحملون راية دعوته، ويتحركون بها معه في حضوره وبعد وفاته، وقد شرف الله عز وجل هذه الأمة فنقل إليها وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن ثم شهد الله سبحانه وتعالى لها بالخيرية؛ فشهادة الله بالخيرية لهذه الأمة -أيها الأحبة- لم تكن من باب الصدف ولم تكن من فراغ، وإنما لأن هذه الأمة قد حملت راية الدعوة إلى الله، وتحركت لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولتعلن على مدى الزمان والمكان إيمانها بالله جل وعلا، قال سبحانه: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه } [آل عمران:110].

والدعوة إلى الله عز وجل الآن -كما قال أكثر علمائنا- فرض عين وليست فرض كفاية؛ وذلك لكثرة المنكرات، ولقلة الآمرين بالمعروف، ولتحرك أهل الباطل لباطلهم بكل السبل والوسائل، فأصبحت الدعوة إلى الله الآن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل على حسب استطاعته وعلى حسب مقدرته.

وأنا أود أن يفرق الأحبة بين أمرين: بين طلب العلم الشرعي، وبين الدعوة إلى الله، فكثير من الأحبة الكرام يتقاعس عن الدعوة إلى الله جل وعلا بحجة أنه لا زال يطلب العلم! وأنا أقول: من قال لك بأن طلبك للعلم سينتهي عند فترة من فترات العمر، إن طلب العلم لا ينتهي ما دمت في هذه الحياة، رأى أحد الناس إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى يحمل المحبرة بين يديه يوماً من الأيام، فتعجب هذا الشيخ، وقال: يا إمام، وصلت إلى ما وصلت إليه ولا زلت تحمل المحبرة! فقال الإمام أحمد : مع المحبرة إلى المقبرة.

فطلب العلم لا ينتهي، فلا يزال الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم ممتداًً إلى قيام الساعة: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً } [طه:114]! فلا بد أن نفرق بين طلب العلم الشرعي الذي لا ينتهي عند فترة من الفترات، وبين التحرك في الدعوة إلى رب الأرض والسماوات، كل بحسب قدرته واستطاعته؛ لقول النبي، بل وإن شئت فقل: لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر في هذا الحديث للوجوب لا للندب، إذ لم تأت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب.

والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( بلغوا عني ولو آية ) فكم تحفظ -أيها المبارك- من الآيات؟ وكم تحفظ من الأحاديث؟! ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ).

ما الهم الذي تحمله؟

فكر -أيها الكريم- ما هو الهم الذي تحمله في قلبك؟ إن أهل الباطل قد تحركوا الآن لباطلهم بكل السبل، بذلوا الأوقات والأموال والأعمال والطاقات الجبارة الهائلة لباطلهم، وتقاعس أهل الحق عن حقهم، عن الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وكما يفكر الواحد منا -أيها الأحبة- للإبداع في عمله والإبداع في وظيفته -وهذا أمر محمود مشكور- يجب عليه أن يفكر كيف يبدع لدين الله، وكيف يبدع لدعوة الله، وكيف يسخر أمواله وطاقاته ونساءه وأولاده ووقته وعرقه لدين الله جل وعلا.

أنا لا أختلف معك أنك تحمل في قلبك هموماً كثيرة، فهذا يحمل هم الوظيفة، وهذا يحمل هم البيت، وهذا يحمل هم الأولاد، وذاك يحمل هم المال .

لا بأس على الإطلاق، لكن فتش في قلبك ما هو أول هم تحمله؟ هل هو هم الدعوة؟! هل هو هم الدين؟! هل هو هم هذه الأمة المسكينة التي تشرذمت وذلت الآن للذليل قبل العزيز، وللقاصي قبل الداني، وللضعيف قبل القوي؟! فكر في هذه الدعوة هل فكرت في أن تدخر جزءاً من مالك لتستغل هذا المال في الدعوة إلى الله إن عجزت أنت أن تتحرك بلسانك؟ فإن الدعوة إلى الله لا تقتصر على الدعاة والعلماء، بل لولا أن الله قد سخر شباباً هنا ما سمعتم مثل هذه الكلمات، وهؤلاء جنود، هؤلاء الإخوة الكرام ، وهم الذين تكلفوا لتسمعوا دعوة الله عز وجل، فهذه دعوة، وهذا الذي فرش الحصير في المسجد شارك في الدعوة، وهذا الذي دعا أخاه، أو دعا زوجته، أو دعا ابنته ليحضر ليكثر سواد المسلمين، هذه دعوة، وهذا الذي تصدق بمصحف، قد شارك في الدعوة، فلا تحقرن من المعروف شيئاً، فمن رحمة الله سبحانه أن فتح لنا من المعروف أبواباً كثيرة؛ ليتحرك كل مسلم على قدر استطاعته، وعلى قدر طاقته لدين الله عز وجل.

ولكن الذي ينبغي أن يحيى في القلوب، هو أن ينام كل مسلم ليفكر في دين الله وفي دعوة الله، لا تنم ملء عينك، ولا تأكل ملء بطنك، ولا تضحك ملء فمك وأنت منشغل عن دين الله، وعن دعوة الله، وكأن الأمر لا يعنيك، والله لتسألن عن هذا الدين: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ...) ستسأل عن كل هذه النعم عن الأموال، وعن العمر، وعن الصحة، وستسأل عن كل هذه النعم بين يدي الله عز وجل، وفي قبرك ستسأل عن هذا الدين من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فهل ستستطيع أن تجيب وتقول: ديني الإسلام وأنت ما بذلت لدين الله! وأنت ما تحركت لدعوة الله! وأنت ما أنفقت الوقت والجهد والمال والطاقات الهائلة التي منَّ الله بها عليك لدعوة الله؟!

العطاء الذي نريده منك عطاء ينطلق من موقعك، ووظيفتك، ودراستك، وسكنك، وعلاقاتك الشخصية والاجتماعية، ومواهبك وطاقاتك، ذات العمل الذي تأخذ عليه راتباً أحياناً، والعمل الذي قد تطالب بمقتضى النظام أن تقوم به، هذا العمل نفسه يمكن أن تقدم من خلاله خدمات جليلة للإسلام إذا نصحت لله تعالى ولرسوله ولعباده المؤمنين، وحرصت على أن تكون مخلصاً لله بعيداً عن الرياء والسمعة، والغش، والتزوير، والظلم، وبعيداً عن القيام بأي عمل تعتقد أنه لا ينفع المسلمين، أو أنه لا يخدم الإسلام، أو أنه ضد دعوتك ودينك الذي تدين به. ليس المجال الوحيد هو مجال الفتيا التعليم الشرعي، أو إلقاء الدروس والمحاضرات أو الخطب مثلاً! أبداً وهذا مجال خصب، لكن هناك مجالات أخرى كثيرة في واقع المسلمين، يستطيع المختص سواءً في المجالات الطبية، أو في مجالات العلوم الطبيعية، أو في مجالات العلوم التطبيقية، أو العلوم الإنسانية، أو غيرها، والمسلمون يحتاجون إلى كوادر وإلى أعداد هائلة من أصحاب هذه التخصصات كلها؛ حتى يتحقق للمسلمين وجود المجتمع الإسلامي المتكامل، فلا تبخل على نفسك وعلى دينك بما تستطيع. وأنت -يا أخي- حين تقدم هذا العطاء، لن تخسر شيئاً أبداً، سوف تستمتع بما أحل الله لك، وسوف تجد الفرح والسرور والطمأنينة في قلبك، وهي عاجل بشرى المؤمن، وسوف يهبك الله تعالى من السعادة والتوفيق -حتى في أمورك الدنيوية- ما لا تحتسب، ومع ذلك فإنك يجب أن تعلم أن الدنيا ليست هي دار العطاء والجزاء، إنما الدنيا هي دار الكد والكدح والعمل، وأما جزاؤك فتنتظره في الدار الآخرة، لن تخسر شيئاً وأنت تقدم.

الخطبة الثانية:

 دعوة إلى الله واجب الجميع

إن الدعوة إلى الله الآن -وأقصد الدعوة العامة- فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لا سيما وقد قل الدعاة، وقل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لأننا جميعاً -أيها الأحبة- ركاب سفينة واحدة، إن نجت السفينة نجا الصالحون والطالحون، وإن هلكت السفينة هلك الصالحون والطالحون، والحديث رواه البخاري و مسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا قرعة من الذي يسكن أعلى السفينة، ومن الذي يسكن في قاعها- فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ).

كانوا إذا أرادوا أن يأتوا بالماء مروا على من يسكن الطابق الأعلى، فكأنهم تضايقوا من أذاهم للآخرين، فقالوا: ( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا ) ما الذي يمنع أن نخرق في قاع السفينة خرقاً ونأخذ الماء مباشرة من قاع البحر، ولا نمر على من فوقنا ونؤذيهم بمرورنا؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ).

فنحن جميعاً -أيها الأحبة- ركاب سفينة واحدة، ينبغي أن يبذل كل واحدٍ منا على قدر استطاعته، لأننا نلحظ في الأمة سلبية قاتلة وسلبية مدمرة، أخرت الأمة سنوات طويلة، بحجة مفهوم أو فهم مغلوط لآية محكمة من كتاب الله، ألا وهي قول الله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة:105] كثير من الأحبة يردد الآن هذه الآية، ويقول: ما شأني بضلال الضلال، إذا كنت أنا على طريق الكبير المتعال، وعلى طريق منهج سيد الرجال، لا ينفعني ولا يضرني!! لا.

لقد خاف الصديق الأكبر رضي الله عنه يوماً من هذه السلبية القاتلة، ومن هذا الفهم المغلوط لهذه الآية، فارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ( أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه؛ أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ) وفي لفظٍ صحيحٍ آخر: ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده -وفي لفظ- ثم يدعونه فلا يستجاب لهم ) والحديث رواه أصحاب السنن و أحمد وهو حديث صحيح.

You have no rights to post comments