االربا و معاملاته

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

لقد أمر الله تعالى بالأكل من الطيبات، والبعد عن المتشابهات والمحرمات وإطابة المطعم والمشرب.
وإن مما عمت به البلوى في هذه الأزمان، تساهل كثير من الناس في ذلك والتنافس في جمع المال، غير مبالين أمن حرام أم من حلال ما جمعوا، مصداقا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنه يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام».


وإن من التعامل المحرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، التعامل بالربا أكلا ومؤاكلة وبيعا وشراء

عباد الله:
الربا من أعظم المحرمات، وأشد الموبقات، ماحق للبركة جالب للعقوبة، وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة، وأقول الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، على تحريمه والتحذير من الوقوع فيه، فقد أمر الله الأمة بتركه، وحذرها من تعاطيه، والوقوع فيه، فقال سبحانه -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)- [البقرة/278].
وقال جل شأنه: -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)- [آل عمران/130].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وذكر منها «أَكْلُ الرِّبَا»( ).
عباد الله:
الربا وإن كثر فإن عاقبته وخيمة قال عز وجل: -(يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)- [البقرة/276].
وقال: -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)- [البقرة/278-279].
ولم يعلن الله تعالى الحرب على أحد إلا على أكلة الربا.
قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك واستعد للحرب مع الله وما لأحد بالله من طاقة
ولقد وصف الله حال أكلة الربا يوم القيامة، بأشنع وصف وأقبحه، كالمجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس قال عز وجل: -(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)- [البقرة/275].
وروى البخاري وغيره في قصة الإسراء والمعراج بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه «رآى ليلة أسري به قوما لهم بطون عظيمة قد مالت بهم لا يستطيعون القيام منها في طريق آل فرعون حين يُعرضون على النار غُدوا وعشيا يطأونهم بأقدامهم فهذا عذابهم في البرزخ إلى يوم القيامة فسأل جبريل عنهم فقال هؤلاء أكلة الربا»( ).
قال عز وجل: -(وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)- [طه/127].
أما في الحياة الدنيا فإن جنود الله كثيرة ومحاله شديد، منها ما يرسله الله عز وجل من آفات مهلكة تمحق البركة، وتقضي على الأموال، فالأموال كثيرة والرواتب كثيرة ولكن البركة منزوعة والثمرة معدومة، فمهما كثرت أموال آكل الربا وتضخمت، فهي ممحوقة البركة لا خير فيها، وإنما هي وبال على صاحبها، تعب في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.
وقال تعالى: -(وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)- [الروم/39].
عباد الله:
الربا في أصله هو الزيادة على وجه الخصوص في أموال مخصوصة، [النساء/160- 161].
ولقد حرم الله الربا لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، لأن المرابي يأخذ من الناس المال الزائد عن حقه، من غير أن يستفيدوا منه عملا في مقابله، ولما فيه بالإضرار بالفقراء والمحتاجين، بمضاعفة الديون عليهم عند عجزهم عن تسديدها، ولما فيه من قطع المعروف بين الناس، وسد باب القرض الحسن، وفتح باب القرض بفائدة تثقل كاهل الفقير، ولما فيه كذلك من تعطيل المكاسب والتجارات والأعمال التي لا تنتظم حياة الناس إلا بها، لأن المرابي إذا حصل على الفوائد المالية بواسطة الربا بدون تعب ولا عمل فلن يبحث طريقا للكسب غير ذلك لما جُبلت عليه نفوس البشر من حب الراحة الكسل.
عباد الله والربا نوعان:

 ربا النسيئة: وهو ما كان يتعامل به أهل الجاهلية الأولى ، وصورته أن يقرض  الرجلُ صاحبه مبلغا من المال إلى وقت معين فإذا حان موعد السداد ولم يستطع الوفاء، قال له إما أن توفي أو تربي فلا يستطيع الوفاء لإعساره فيؤجله عليه مدة أخرى في مقابلة زيادة معينة في الدين يتفقان عليها، فيتضاعف المال في ذمة المدين الفقير ليزيده عسرا وإرهاقا على عسره وإرهاقه، وهذا النوع يكثُر وقوعه وهو محرم بإجماع المسلمين، وهو يتنافى مع الأمر بإنظار المعسر قال عز وجل: -(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)- [البقرة/280].
والثاني ربا الفضل: وهو أن يبيع جنساً بجنسه مع التقابض في الحال، لكن أحدهما زائد عن الآخر، كمن يبيع كيلوا واحد من تمر الجيد بكيلووين. من التمر الردئ

وفعن أبي سعيد قال : جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " من أين هذا ؟ " قال : كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع فقال : " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به " ( متفق عليه )

كما يقع الربا بنوعيه في بيع العملات النقدية، كما يجري في النقدين الذهب والفضة، فيشترط مثلا في بيع الدولار الأمريكي بالدينار الجزائري أن تكون المعاملة في نفس المجلس و كذلك بيع الذهب بالدينار لا بد أن يكون في نفس المجلس من غير تأخير أحدهما فإن وقع التأخير في الدفع كان ربا محرما. ،لأن الذهب و الفضة و النقود كلها أثمان تقوم بها السلع . عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " . رواه مسلم

فلا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باع ذهبا بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة ،

ومن المعاملات الربوية المنتشرة اليوم استبدال الذهب القديم بذهب جديد مع دفع الفرق. وهذا غير جائز، وهو من الربا، لأن الذهب من الأصناف الربوية التي يجب فيها التساوي عند التبادل مع القبض في نفس المجلس. وذلك يعني أن تكون الكميتان اللتان يجري فيهما التبادل متساويتان وزناً، وأن يتم التبادل يداً بيد في نفس الوقت، فلا يجوز أن يستلم منه الذهب الآن مثلاً ويقول: أحضر الذهب بعد ساعة. ودليل ذلك قوله فيما رواه أبو بكرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم)) [رواه البخاري]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)) [رواه البخاري ومسلم].


ومن البيوع المحرمة مسألة بيع العينة وهي أن يبيع الإنسان سلعة على غيره بثمن مؤجل ثم يشتريها منه في الحال بأقل من الثمن الذي باعها عليه به، سميت عينة: لأن الإنسان يسترجع سلعته بعينها، والأصل في تحريمها والتحذير منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود وغيره( ).
عباد الله:
والنقد لا يجوز بيعه وصرفه بجنسه إلا متساويا مقبوضا كالدينار بالدينار، ومن المعاملات الربوية المنتشرة: القرض بفائدة من البنوك الربوية أو من غيرها، وصورة ذلك أن يقترض إنسان من بنك أو من شخص آخر مبلغا من المال بشرط أن يرجعه بأكثر منه، ومن المعاملات الربوية كذلك ما يجري في البنوك من الإيداع بفائدة وهي الودائع الثابتة إلى أجل، يتصرف فيها البنك إلى تمام الأجل ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معينة في المائة كعشرة أو خمسة في المائة كل شهر أو كل عام أو غير ذلك.

وكذلك من صور التعامل بالربا التي فشت وانتشرت استخدام بطاقات سحب الأموال أو المشتريات، ولو لم يكن لصاحبها رصيد على أن يسدد خلال أيام معينة، فإن لم يسدد خلال هذه المدة المحددة بدؤوا بحساب زيادة بنسبة معينة عن كل يوم يتأخر فيه عن السداد أو عن كل شهر مثل ما يسمى ببطاقة الفيزا كارد أو غيرها مما هو مثلها في التعامل.

ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن بعض المسلمين هداهم الله يتعاملون بهذه البطاقات ويقولون: نحن نسدد قبل حلول الموعد ولا ندفع الزيادة. فنقول لهؤلاء وفقهم الله للخير: إن مجرد توقيعك على العقد مع أصحاب هذه البطاقة وموافقتك على شروطها هو رضا منك بالتعامل الربوي، ولو لم تقع فيه، وهذا محرم، لأنه عقد على معاملة ربوية محرمة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. 
الخطبة الثانية
الحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. 
أما بعد: عباد الله: 
اتقوا الله تعالى، واعلموا رحمكم الله أن الربا من أخطر الموبقات وأعظم الذنوب التي تستوجب غضب الله ونقمته ولعنه وحرمان توفيقه، ولقد وعد الله تبارك وتعالى الذي يعود إلى أكل الربا بعد معرفة تحريمه بالخلود في نار جنهم عياذا بالله فقال: -(فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)- [البقرة/27]. 
عباد الله: 
ومن الناس من يستحلون الربا بأدنى الحيل، بل ويخادعون الله كما يخادعون الناس والله خادعهم، وهذا هو فعل اليهود الذين ارتكبوا المحرمات واستحلوها بأدنى الحيل وهذا لا يرفع المفسدة التي حُرم الربا من أجلها بل يزيدها إثما وجرما. عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " . فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ؟ فإنه تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : " لا هو حرام " . ثم قال عند ذلك : " قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه "

You have no rights to post comments