حكم التسعيير

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أيّها المسلمون: جاءَتِ الشريعة الإسلاميّةُ برعاية مصلحةِ الفرد والمجتَمَع وتحقيقِ العدلِ بَين الناسِ، ومَنعِ الظلمِ والجَورِ ، ورَفعِ الضَّررِ والعنت والحرَج. وممّا أقرَّته الشريعة في بابِ المعاملاتِ تَركُ الناس يَبِيعون أموالَهم على ما يختَارون من القيمةِ وما يرغَبون من الثّمن، وتمكين التجارِ مِن تحديدِ الأسعار في المبيعات والسِّلَع والخدمَاتِ وتَقويم أنواع التّصرّفات، وعدم تقييدهم أو تعطيلهم أو الحدِّ من تعاملهم ما دامت عقودُهم عن تراضٍ منهم واتِّفاق، ما لم تشتمل على مخالفةٍ لقواعد الشريعة وأحكامها، قال -جلّ في علاه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29]، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دَعوا النّاسَ يَرزُق الله بعضَهم من بعض". أخرجه مسلم.

وأبَاحتِ الشريعةُ للمَالِكِ الصحيح الملكِ أن يبيعَ سِلعَتَه بأكثَرَ مِن ثمنها حالاًّ أو مؤجَّلاً، ولم تحدِّد حدًّا ينتهي إليه في الرِّبح، فعن شبيبِ بن غرقدةَ قال: سمعتُ الحيَّ يتحدَّثون عن عروةَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أعطاه دينارًا ليشتريَ به شاة، فجاءَه بدينار وشاة، فدعا له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالبركة في بيعِه، وكان لو اشترَى الترابَ لربح فيه. أخرجه البخاري.


كما أجازتِ الشريعة للمالِكِ الصحيحِ الملك العارِفِ بقيمةِ السِّلَع بيعَ مالِه الكثير بالتافِهِ اليسيرِ إذا لم يَكن بقصدِ الإضرارِ بأصحابِ السِّلَع و التجار، فعن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالد -رضي الله عنهما- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زَنت فاجلدوها"، في الثالثة أو الرابعة: "فبيعوها ولو بضَفير". أخرجه البخاري، وعن عمَرَ -رضي الله عنه- قال: حملتُ على فرس عتيقٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبُه، فظننتُ أنه بائعه برُخصٍ، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: "لا تَبتَعه وإن أعطَاكَه بدِرهَم؛ فإنَّ العائدَ في صدقتِه كالكلب يعودُ في قيئِه". متفق عليه.


وامتنَع الشارِعُ عن التسعيرِ -وهو تحديدُ ثمنٍ للسِّلَع لا يزادُ عليه ولا ينقص- حتى في حالِ غَلاء الأسعارِ وارتفاعها؛ إذا كان ذلك الغلاء بسبَبِ تقلُّبات العرض والطلب، ولم يكن بسبب الجشَعِ والطمع، فعن أنس –رضي الله عنه- قال: غلا السعرُ على عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: يا رسول الله: سعِّر لنا، فقال: "إنَّ الله هو المسعِّر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجُو أن ألقَى رَبّي وليس أحدٌ يطلُبني بمظلمَةٍ في دمٍ ولا مالٍ". أخرجه أبو داودَ والترمذيّ وابن ماجه. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله: سعِّر: فقال: "بل أدعو"، ثم جاءه آخر فقال: يا رسول الله: سَعِّر، قال: "بل الله يخفِض ويرفَع، وإني لأرجو أن ألقَى الله ولَيسَ لأحدٍ عندي مظلمَة". أخرجه أحمد وأبو داود. فامتناعُه -صلى الله عليه وسلم- عنِ التسعيرِ مَعَ غلاء الأسعارِ وسؤالِ الناس ذلك وتعليله بكونه مظلمةً يدلّ على نهيِ الإمام أو نائبِه على السوقِ عَن جبر الناس على بيعِ سِلَعِهم بسعرٍ معيّن بلا زيادة ولا نقصان، وأنَّ التسعير حرام، ولأنَّ المال لصاحب المتاع فلم يجُز منعُه من بيعِه بما تراضَى عليه المتبايِعَان.

أيها المسلمون: لكنَّ الشريعةَ الكاملة الحكيمةَ العادِلةَ يبعُد أن تطلِقَ تلكَ الحرّيَّةَ لأصحاب السِّلَع والمتاع بلا قيودٍ ولا ضوابِط، فإذَا أسَاءَ التّجّارُ استخدامَ هذه الحرّيّةِ وتعَسَّفوا وتعَدَّوا وتَواطَؤوا وترَكُوا السِّعرَ المتقارِبَ المتعَارَفَ و اتثقوا على السِّعرِ المتفاحِشِ الفادِح، وعَمدُوا إلى رَفعِ أسعارِ السِّلَع بجمِيعِ أصنافِها، والخدمات على اختلافِ أنواعِها بِلا أسبابٍ تستدعِيه ولا عوامِل تقتضيهِ سِوى الجشعِ والطمَع والأثرةِ وحُبِّ الذاتِ والرغبة في التكاثر، واستَغَلُّوا رَغبةَ الناس في الشِّراءِ وحاجَتَهم الاستِهلاكيّة اليَوميّة وغَير اليومية، وأَوهمُوا المشترِينَ بأمور مفتَعَلة وأسبابٍ مختَلَقَة لا حقيقةَ لها في الواقع، حتّى أضحَتِ الأسعار في تصاعدٍ مستمرّ، وحركة مطَّرِدَة، وأصبَحَ سعرُ الشّيء مِثلَيه أو أكثر إلى أضعافٍ مضاعفة، وتضرَّر أكثرُ الناس بالغلاء، وأُرهِقَ الفقراءُ وأُثقِل كاهِل المحتاجِين والضّعفَاء، فإنَّ الصحيحَ من أقوال العلماء جوازُ منعِ التجار من إعناتِ الناس والإجحاف بهم، ووجوبُ حملهم على الطريقِ الأمثل بالتسعيرِ الذي لا وَكسَ فيه ولا ضرر، وقد جاءت السنة الصحيحة بتقويمِ الأشياء بين الشركاءِ بقيمة عدلٍ وثمنِ مِثل، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أعتق شِركًا له في عبدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمنَ العبد قُوِّم العبد عليه قيمةَ عدلٍ، فأعطى شركاءَه حِصَصَهم، وعَتَق عليه العبد، وإلاّ فقد عتَق منه ما عَتق". متفق عليه.

وبالتسعير يتحقَّق رِبحٌ ونماء لأربابِ السِّلع، وعدلٌ بين البائعين والمشترين، ويستقرُّ التوازن الاقتصاديّ العامّ، ويُحمَى الضعفاء من جشعِ الطامعين، وتُحارَب المضارَبَة التي تؤدِّي إلى استغلالِ المستهلكين، ويحافَظ على القُدرةِ الشرائيّة للفقراء والمحتاجين، وذلك جريًا على قاعِدَة: "درء المفاسِدِ أولى مِن جلبِ المصالح"، و"الضرر الأشدّ يُزال بالضَّررِ الأخفّ"، وقاعدة: "يُتَحمَّل الضّررُ الخاصّ لدَفعِ ضَررٍ عامّ".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية *رحمه الله تعالى-: "السعر مِنه ما هو ظلمٌ لا يجوز، ومنه ما هو عَدل جائز، فإذا تضمَّن ظلمَ الناسِ وإكراهَهم بِغير حقٍّ على البيعِ بثمن لا يرضَونه، أو منعهم مما أباحَه الله لهم فهو حرام، وإذا تضمَّن العدلَ بين الناس مثلَ إكراههم على ما يجِب عليهم من المعاوَضَة بثمن المثل، ومَنعِهم مما يحرُم عليهم من أخذ زيادَةِ على عِوَض المثل، فهو جائز، بل واجب". وقال ابن القيِّم -رحمه الله تعالى-: "وجماعُ الأمر أن مصلحَةَ الناس إذا لم تَتِمّ إلا بالتسعيرِ سعَّر عليهم تسعيرَ عدلٍ لا وَكس ولا شطَط، وإذا اندفعت حاجاتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل".

أيّها المسلِمون: إِذا نظَرنَا بِعقلٍ وبَصيرةٍ وتجرُّد وَجَدنا للمُغالاةِ في الأسعار آثارًا سيِّئةً على الفرد والمجتمع، فقد يعجز الفقير عَن شِراءِ ما لا غِنى له عنه، وقد يتحمَّل آخرون ديونًا يعجَزون عن أدائها، وتكثر الضغوطُ الاجتماعيّة والاقتصادية والنفسيّة، ويلجأ البعضُ إلى طرق غير مشروعة للحصول على المالِ وتوفير ما يحتاجون، وحينها لا يُبالي ضعيفُ الإيمان أمِن حَلال أخَذ المال أم من حرام، وتَنشَأ الأنانيّة والشحُّ والبخل، وتتعمَّق الفجوة بين الناس، وتهِن الروابِطُ، وتنقَطِع الصِّلات؛ ولذا جاءَ الوعيدُ الشديد لمن دخَل في شيءٍ من أسعارِ المسلمين ظلمًا وعُدوانًا ليغلِيَه عليهم، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النجش و هو الرجل الذي يعطي سعرا و سوما للسلعة بنية رفع ثمنها و هو لا يريد شراءها،

لما فيه من الإضرار بالناس، عن نافع عن ابن عمر :أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن النَّجْشِ.

أيّها المسلمون: ينبغي للمسلم أن يكونَ ذا شفَقَة وعَطف وإحسانٍ، لا يغالي في الرِّبح، ولا يبالغ في التكسُّب، ولا يستغل حاجةَ إخوانه ليرهقَهم بما يشقّ عليهم، بل يراعي حقوقَ الأخوَّة الإسلاميّة، وقد حثَّنَا الشارِعُ الحكيم على المسَامحَة في المعاملة، فعَن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "رحِم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشتَرى وإذا اقتَضَى". أخرجه البخاريّ.


إنَّ إِرخَاصَ الأسعار على المسلِمين، ووضعَ الإجحاف بهم، وتركَ استغلالهم، لا يفعَلُه إلا ذوو القلوبِ الرحيمة، التي امتَلأت عَدلاً وصِدقًا وتقوًى وإحسانًا، وأولئك هُمُ الموعودون بالبركةِ في أرزاقهم، والسعةِ في أموالهم، والصِّحةِ في أبدانهِم، والسعادة في نفوسهم.

عن أبي سعيد الخدري :

أن يهوديا قدم ـ زمن النبي صلى الله عليه و سلم ـ بثلاثين حمل شعير وتمر فَسَعَّر مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه و سلم وليس في الناس يومئذ طعامٌ غَيْرُهُ وكان قد أصاب الناس قبل ذلك جوع لا يجدون فيه طعاماً فأتى النبي صلى الله عليه و سلم الناس يشكون إليه غلاء السعر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

( لا أَلْقَيَنَّ الله من قبلِ أن أُعْطِيَ أحداً من مال أحدٍ من غير طيب نفس إنما البيع عن تراضٍ ولكن في بيوعكم خصالاً أَذْكُرُها لكم : لا تَضَاغَنُوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا يسوم الرجل على سوم أخيه ولايبيعن حاضر لباد والبيع عن تراض وكونوا ـ عباد الله ـ إخواناً )

و نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الركبان.

ومن صوره الواضحة ما يحدث عندما ينزل التاجر الريفي الى المدينة ليبيع سلعته فقبل أن ينزل إلى السوق يتلقاه المشتري فيشتري منه السلعة بثمن بخس دون أن يعرف البائع أسعار السوق  ثم يرفع هذا المشتري سعرها في السوق فيتضرر الناس.

أيها المسلمون: وإذا أخَذ وَليُّ الأمرِ بالتَّسعير لمصلحَةِ المسلمين، وأمَرَ أهلَ السوق أن لا يبيعوا إلاَّ بسعر محدَّد بلا زيادةٍ ولا نقصان، لم تجز مخالفتُه، ومن خالف استحقَّ التعزيرَ في أصحِّ قولي العلماء، وذَلِكَ عقوبةً لَه لمجاهرَةِ ولي الأمر بالمخالفةِ.

فاتقوا الله -أيها المسلمون-، وتراحموا فيما بينكم، يتحقَّق لكم الخير والنماء، ويُبارَك لكم في الأخذِ والعطاء والبيعِ والشراء.


أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية:


الحمد على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبده ورسوله الدّاعي إلى رضوانِه، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


أمّا بعد:

أيّها المسلِمون: ومِن صوَرِ الخداع والغشِّ والخِيانة والكذِب التي يَلجَأ إليها ضِعافُ الإيمان بقَصدِ الحصول على سعرٍ زائدٍ: تغريرُ المشترِي في ثمنِ السِّلعَة الأصليّ أو مَا وصلت إليه في السَّوْم، فمن عَرض سلعةً للبيع وقال: هي عليَّ بكذا وهو كاذب في قولِه بأن زادَ في ثمنها الذي اشتراها به ليوقِعَ فيها أحَدًا من المسلمين، فقد أتَى إثمًا يمحَق بركةَ بَيعِه، ومن أقامَ سِلعتَه في السوق أوَّلَ النّهار فَلمّا كان آخره جاءَه رجلٌ يساوِمه فحَلَف لقد منعها أوَّلَ النهار من كذا، ولولا المساءُ لما باعَها به، فقَد ارتكب محرمًا يحلّ عليه به سخَطُ ربِّه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله ولا ينظُر إِليهم ولا يزكِّيهم ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضلِ ماء بطريق يمنَع منه ابنَ السبيل، ورجل بايَع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريدُ وفى له، وإلاّ لم يَفِ له، ورجل ساوَم رجلاً بسلعةٍ بعدَ العصرِ فحَلَف بالله لقد أُعطِي بها كذَا وكذا فأخَذَها". متفق عليه.

وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- أنَّ رجلاً أقام سلعةً في السوق فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يعطَ ليوقِعَ فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77]. أخرجه البخاري.


فاتقوا الله -أيّها المسلِمون-، وطهِّروا بيوعَكم من الكذب والغشِّ والخداع والنّجش والتغرير والمبالغة الفاحشة في الأسعارِ يبارَك لَكم فيه.

You have no rights to post comments