رمضان الدعاء و القرآن

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية، والسمو الروحي، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، وإيقاظ الضمير، والتخلص من النزعات الذاتية والملذات الآنية، في شهوات البطون والفروج، والعقول والأفئدة، والتي شرع الصيام؛ لأجل تضييق مجاريها في النفوس، وكونه فرصة كل تائب، وعبرة كل آيب: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183].

 

أيها المسلمون! شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن؛ القرآن الذي لا تنطفئ مصابيحه، والسراج الذي لا يخبو توقده، والمنهاج الذي لا يضل سالكه، والعز الذي لا يهزم أنصاره.

 

القرآن -عباد الله- هو بمثابة الروح للجسد، والنور للهداية، فمن لم يقرأ القرآن ولم يعمل به فما هو بحي، وإن تكلم، أو عمل، أو غدا أو راح، بل هو ميت الأحياء، ومن لم يعمل به ضل وما اهتدى، وإن طار في السماء، أو غاص في الماء: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [الأنعام:122]، إن الإنسان بلا قرآن كالحياة بلا ماءٍ ولا هواء، بل إن الإفلاس متحققٌ في حسه ونفسه؛ ذلك أن القرآن هو الدواء والشفاء: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت:44].

إن مما لاشك فيه -أيها المسلمون- أن صلة الكثيرين بكتاب ربهم يتخللها شيءٌ من الهجران والعقوق، سواء في تلاوته، أو في العمل به، بل قد لا نبالغ لو قلنا: إن علل الأمم السابقة قد تسللت إلى أمة الإسلام وهي لا تشعر، ألا تقرءون يا رعاكم الله! قول الباري جل وعلا: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } [البقرة:78]، يقول المفسرون: أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة وترتيلاً، بحيث لا يجاوز حناجرهم وتراقيهم، كل ذلك بسبب الغياب القلبي، والعجز الروحي عن تدبر القرآن، بل إن البعض على قلوب أقفالها، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، أفلا يتدبرون القرآن إذاً؟

روى الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجة عن زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: { ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: وذلك عند ذهاب العلم، قلنا يا رسول الله: كيف يذهب العلم، ونحن قرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم؟ فقال: ثكلتك أمك يـ ابن لبيد ! إن كنت لأراك من أفقه الرجال في المدينة ، أوليس اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟ }.

إن المرء المسلم لتأخذه الدهشة كل مأخذ، حين يرى مواقف الكثير من المسلمين مع كتاب ربهم، وقد أحاط بهم الظلام، وادلهمت عليهم الخطوب من كل حدبٍ وصوب، ثم هم يتخبطون خبط عشواء، فيالله العجب! كيف يكون النور بين أيدينا ثم نحن نلحق بركاب الأمم من غيرنا؟! تتهاوى بنا الريح في كل اتجاه لا نلوي على شيء، لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وستين عاماً، ولقد كنا نسمع كثيراً أن كبر السن ومشكلات الحياة المتقلبة قد يشيب منها شعر الإنسان، فما ظنكم بمن تمر به هذه كلها واحدة تلو الأخرى، ثم هو ينسب المشيب الذي في رأسه إلى آياتٍ من كتاب الله كان يرددها، ومعانٍ يتأولها ويتدبرها، روى الترمذي و الحاكم : أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: { يا رسول الله! ما شيبك؟ قال: شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت }.

 

إن رمضان بهذه الإطلالة المباركة ليعد فرصة كبرى، ومنحة عظمى للمرء المسلم، في أن يطهر نفسه بالنهار لكي يعدها لتلقي هدايات القرآن في قيام الليل قال تعالى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً } [المزمل:6] وناشئة الليل: هي ساعاته وأوقاته، فهي أجمع على التلاوة من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، فكأن الصيام في النهار تخلية، والقيام بالقرآن في الليل تحلية .

عباد الله! شهر رمضان المبارك شهر رحب، وميدان فسيح، يربي المرء نفسه من خلاله على أن يحيي ليله، وعلى ألا يلجأ في حوائجه إلا إلى قاضيها سبحانه، إذ لا ملجأ من الله إلا إليه، وهو يقضي ولا يقضى عليه، فثلث الليل الآخر هو وقت التنزل الإلهي على ما يليق بجلاله وعظمته إلى سماء الدنيا إذ يقول: { هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ } ترى هل فكر كل واحدٍ منا في استثمار هذا الوقت العظيم الذي هو من آكد أوقات إجابة الدعاء؟!

ترى ما هي أحوال الناس مع ثلث الليل الآخر؟!

بل كم من الذين أرهقتهم هموم الحياة قد غابوا عن هذا الوقت المبارك؟!

كم من مكروبٍ غلبته عينه عن حاجته ومقتضاه؟!

كم من سقيم لم يفقه دواءه وسر شفائه؟!

ألا إن كثيراً من النفوس في سباتٍ عميق، إنها لا تكسل في أن تجوب الأرض شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، باحثة عن ملجأ للشكوى، أو فرصة سانحة لعرض الهموم و الغموم على من تقصده من بني البشر، غافلةً غير آبهةٍ عن الاتجاه إلى كاشف الغم، ومرج الهم، ومنفس الكرب قال تعالى: { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [المؤمنون:88] ، { أَمَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } [النمل:62]، { مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } [نوح:13-14].

روى الإمام أحمد و الترمذي و النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة ويفتح لها أبواب السماء ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين }.

غير أن ثمة أمراً مهماً عباد الله، وهو أن كثيراً ممن يرفعون أكف الضراعة بالدعاء إلى الباري جل شأنه، قد يستبطئون الإجابة، ولربما أصابهم شيءٌ من اليأس والقنوط قال تعالى: { وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } [الحجر:56]، بيد أن هناك خللاً، ما هو السر الكامل في منع إجابة الدعاء:

كأن يكون المرء ممن يستعجلون الدعاء ويتحسسون الإجابة على تململٍ ومضض.

وهذا مانع أساس من الإجابة لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: { إن الله يستجيب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي } رواه البخاري و مسلم .

و لربما لم يستجب الدعاء لما فيه من الإثم، أو قطيعة للرحم، أو أن يكون الدعاء المنبثق من شفاه الداعين غير مقترنٍ بالقلب اقتران الماء والهواء للروح؛ لأن اللسان ترجمان القلب وبريده، والقلب خزانة الخواطر والأسرار ، فالدعاء باللسان والقلب غافلٌ لاهٍ إنما هو قليل الجدوى أو عديمها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { ادعوا الله تعالى وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه} رواه الحاكم و الترمذي وحسنه، فالقلب إذاً لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا الصارفة، ومن المعلوم بداهة أن المتلفت لا يصل سريعاً.

فالله الله! أيها المسلمون في الدعاء! فهو العبادة ومخها، وهو السهام النافذة لذوي العجز وقلة الحيلة، ولا يحقرن أحدكم الحوائج مهما قلت أو كثرت فإن الله أكثر، وقد قال سبحانه: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }

و بعد يا رعاكم الله! نقول لذوي المصائب و الفاقات، والهموم والمقلقات، خذوا هذا المثل عبرة وسلواناً، يتجلى من خلالهما أثر الدعاء في حياة المرء، وأنه لا غنى له عنه ما دام فيه عرق ينبض، إذ هو الدواء إذا استفحل الداء، وهو البرد إذا اشتد الحر.

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يومٍ فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له: أبو أمامة ، فقال: { يا أبا أمامة ! مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: همومٌ لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: بلى.

يا رسول الله! قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبت الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة : ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني } رواه أبو داود .

قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً .

الخطبة الثانية:

لقد أضلكم -أيها المسلمون- شهر كريم يحمل في طياته تهيئة النفس على تحمل الجوع والعطش، ترى الطعام بين ناظريك تشتهيه نفسك وتصل إليه يدك، ولكنك لا تستطيع أن تأكله، ويشعل الظمأ جوفك والماء من حولك، فلا تقدر على أن تنهل منه، ويأخذ النعاس بلبك، ويداعب النوم جفنيك، ويأتي رمضان ليوقظك لصلاتك و سحورك، إنها ولا شك حلقات الصبر و المصابرة.

لكن عباد الله! العمل الصالح لا بد أن يكون سليماً من الشرك كبيره وصغيره، دقيقه وجليله، خفيه وجليه { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } [الكهف:110] وفي الحديث الصحيح يقول الله عز وجل: { أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه }

ولا بد في العمل الصالح: أن يكون سليماً من البدع ومحدثات الأمور، يقول عليه الصلاة والسلام: { من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد } وفي رواية: { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } ويقول: { وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة } فلا بد من لزوم متابعة المصطفى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فلا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي التنزيل العزيز: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران:31] { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور:63] بالمتابعة يتحصن المسلم من البدع كلها، فخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.

والعمل الصالح أيها الإخوة المسلمون! لا بد فيه من الإخلاص، فإن من أشد المفسدات ومانعات القبول ومبعدات التوفيق عدم الإخلاص، والإشراك في النية والمقاصد، وفي الحديث: { إياكم وشرك السرائر، يقوم رجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر رجل إليه فذلك شرك الصغائر } رواه ابن خزيمة في صحيحه .

وإذا كان الرياء هو العمل لأجل الناس، فإن هناك نوعاً خطيراً ذلك هو العمل لأجل النفس وحظوظها، لا لأجل الله وابتغاء مرضاته والأمل فيما عنده، إن من عدم التوفيق أن يعمل العبد ليرضي نفسه ويبتغي حظوظ دنياه، يصوم ويتصدق ويتزهد ويتورع لما يرجو من الدنيا وغايتها.

أيها المسلمون إن موضوع النيات ومعالجاتها موضوعٌ خطيرٌ ودقيق، هو أساس القبول والرد، وهو سبيل الفوز والخسران، يقول سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئاً أشد من نيتي فإنها تنقلب عليَّ.

وما أتي كثيرٌ من الناس إلا من ضياع نياتهم وضعف إخلاصهم.

الله الله في أنفسكم عباد الله، إن المطلوب في الأعمال الصالحة رعاية القلوب وإخلاصها؛ فبالإخلاص -بإذن الله- يورث القوة في الحق والصبر والمصابرة والمداومة، وبالإخلاص يتضاعف أجر العمل ويعظم وثوابه، بل الإخلاص يجعل المباحات طاعات وعبادات وقربات، ومن ثم تكون حياة العبد كلها لله { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ } [الأنعام:162-163].

You have no rights to post comments