أحكام الجنائز

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أما بعد : فيقول الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) . إن اتباع الجنائز حق على المسلم لأخيه المسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم ست، قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) متفق عليه.

واتباع الجنائز فيه فضل وأجر عظيم لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد)، وفي لفظ: (فقيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين)،

وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).

ولا تُتَّبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف شرع الله، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنازة معها رانة" والرانة: الصائحة، خرجه ابن ماجه. وأوصى عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: "إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار"، وفي لفظ: "أنه نهى أن يتبعه مادح أو نار" رواه أحمد ومسلم. قال قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" خرجه البيهقي ووثق رجال سنده الألباني.

ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم القيام للجنازة إذا مرت، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا رأى أحدكم جنازة، فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه، أو توضع من قَبْل أن تخلفه) متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: مر بنا جنازة فقام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: (إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)، قال العلامة ابن باز غفر الله له: "وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة، فإن للموت فزعا، وهذا القيام سنة وليس بواجب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام وقعد، فدل ذلك على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة".

ومن تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) متفق عليه، قال العلامة ابن باز: "والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا" أي: قبل اللحد، وقال: "السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض.

ولا يشرع للنساء إتباع الجنائز، ويجوز لهن الصلاة عليها، لقول أم عطية رضي الله عنها: " نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا ".

ويشرع الإسراع بالجنازة لقوله صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق عليه، قال الشيخ ابن باز: "السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشيا قويا دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة".

وأما دفن الميت فهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهو من نعم الله على عباده، قال الله جل وعلا: ((ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ))، وقال ربنا سبحانه وتعالى: ((أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً))، ودفن الميت فيه فضل وأجر، لما روى أبو رافع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من غسل ميتا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه، أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفَّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) خرجه البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني.

ولا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيقة إلا لضرورة، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" خرجه الإمام مسلم.

والسنة الدفن في المقبرة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، وأما الشهداء فيدفنون في أماكن استشهادهم في أرض المعركة، ولا ينقلون إلى المقابر، لحديث جابر رضي الله عنه في قتلى أحد، لما أرادوا نقلهم إلى مقبرة المدينة، قال إذ لحق رجل ينادي: "ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت" خرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني.

وأما الدفن ليلا فجائز، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن إنسانا مات بالليل فدفنوه ليلا، فلما أصبحوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت ظلمة، وكرهنا أن نشقَّ عليك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قبره فصلَّى عليه)، قال العلامة ابن باز: "هذه الحديث تدل على جوز الدفن ليلا، وأما ما جاء في النهي عن ذلك، فهذا إذا كان فيه تقصير في الصلاة عليه"، وقال الشيخ ابن عثيمين: "يجوز دفن الأموات ليلا، إذا قام الإنسان بالواجب، من التغسيل والتكفين والصلاة عليه".

ولا بأس بدفن اثنين وأكثر في قبر واحد عند الضرورة والحاجة الشديدة، لحديث هشام بن عامر قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، قالوا: فمن نقدِّم يا رسول الله؟ قال: قدِّموا أكثرهم قرآنا، قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد) خرجه أهل السنن وصححه الألباني.

ولا بأس بجمع الأقارب في مكان واحد من المقبرة ، لحديث المطلب قال: (لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسر عن ذراعيه، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن ذلك: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال عليه الصلاة والسلام: أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) خرجه الإمام أبو داود

الموفق ابن قدامة: "ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم".

واللحد أفضل من الشَق إذا كانت الأرض صُلبة لا ينهال ترابها، وإن كانت رخوة تنهال فالشق أولى، لحديث عامر بن سعد أن سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحدا، وانصبوا عليّ اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم" خرجه الإمام مسلم. وفي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، واللحد أن يحفر في جانب القبر  من جهة القبلة، وأما الشق فهو أن يحفر في وسط القبر طولا كالنهر،ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، قال العلامة ابن باز: "وعمل الصحابة وعمل المسلمين، يدل على أن اللحد والشق جائزان، وذكر النووي إجماع العلماء على جواز الأمرين، وقد كان في المدينة لاحد وشاق، ولكن اللحد أفضل، وإذا احتيج إلى الشق جاز، كما في الأرض الرخوة.

ويغطى قبر المرأة عند إدخالها القبر لأنه أستر لها، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وأنس وعبدالله بن يزيد والحسن، قال الشيخ ابن باز: "يوضع ثوب على المرأة عند إدخالها القبر، حتى لا يظهر من جسمها شيء"، وذكر العلامة ابن عثيمين أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء، ويكون هذا التخمير و التسجية إلى أن يُصف اللبن عليها.

و يجوز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش الطيب الرائحة فى قبور الأموات

ابْنِ عَبَّاس، قَالَ  - صلى الله عليه وسلم - :  « حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِى وَلا تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِى، أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، إِلا لِمُعَرِّفٍ » ، قَالَ الْعَبَّاسُ: إِلا الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ:  « إِلا الإذْخِرَ » .

وأما في القبور فإنهم يجعلونه ما بين اللبنات؛ ليمنع تسرب التراب إلى الميت.

وأولياء الميت هم أحق بإنزاله، لعموم قوله تعالى: ((وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ))، فليحذر صاحب الميت وصديقه من التقدم على أقاربه لأنهم أولى، إلا أن يأذنوا له، ولا بأس بإدخال الرجل زوجته قبرها لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بُدئ فيه فقلت: وارأساه، فقال: (وَددتُ أن ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك) رواه الإمام أحمد وهو في الصحيح بنحوه.

لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطإ تلك الليلة، وإلا لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو أجنبيا بالشرط المذكور، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " شهدنا ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيته عينيه تدمعان قال: هل منكم من رجل لم يقارف  الليلة (أهله)؟ فقال أبو طلحة: (نعم) أنا يا رسول الله! قال: فانزل، قال فنزل في قبرها (فقبرها) ".

ويُدخل الميت من قِبل رجلي القبر، لأن عبدالله بن زيد رضي الله عنه صلى على الحارث ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: "هذا من السنة" رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني. قال الشيخ ابن باز: "هذا أحسن ما ورد في ذلك، وروي في ذلك نوعان آخران، أحدهما: سلّه من جهة القبلة، والثاني: سلَّه من جهة رأس القبر، والأمر في هذا واسع، لكن أحسن ما ورد ما رواه عبدالله بن زيد، لأن قوله من السنة في حكم المرفوع عند أهل العلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر يقول: (بسم الله وعلى ملة رسول الله)، أو يقول: (بسم الله وعلى سنة رسول الله) خرجه الإمام أبو داود وغيره وصححه الألباني.

الخطبة الثانية:

عباد الله ويجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام إلى يومنا هذا، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البيت الحرام: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) خرجه الإمام أبو داود.

وتحل عن الميت العقد بعد أن يوضع على جنبه الأيمن في القبر، قال العلامة ابن باز: "هذا هو الأفضل لفعل الصحابة رضي الله عنهم".

ويُنْصَب اللبن على فتحة اللحد، ويسد ما بين اللبن من خلل بقطع اللبن، ويجعل الطين فوق ذلك لئلا يصل التراب إلى الميت.

وبعد الفراغ من سد اللحد يحثي على القبر ثلاث حثيات، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً) خرجه ابن ماجه وصححه الألباني. قال العلامة ابن باز: "هذا يدل على أنه يستحب لمن حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات" انتهى كلامه. ولا يزاد على القبر من غير ترابه.

ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر لحديث جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له لحدا، وانصب عليه اللبن نصبا، ورفع قبره عن الأرض نحوا من شبر) خرجه البيهقي وصححه ابن حبان.

ويكون القبر مسنما، أي: على هيئة سنام الجمل، لحديث سفيان التمَّار: (أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما) خرجه البخاري.

وله أن يُعلم القبر بحجر أو لبن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم قبر عثمان بن مضعون رضي الله عنه بحجر وضعه عند رأسه وقال: (أتعلَّم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) خرجه الإمام أبو داود، قال العلامة لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف، كحجر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر ، وقد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر. و لكن يجوز عند بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة و الزينة، بل للتعرف على القبر قياسا على وضع النبي (صلى الله عليه وسلم) الحجر على قبر عثمان بن مظعون.

 ويقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالثبات ويستغفرون له، لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل) رواه أبو داود والحاكم وصححه.

You have no rights to post comments