زيارة القبور

تقييم المستخدم: 3 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدى، مخالفا لهدي سائر الأمم مشتملا على الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه وعلى إقامة عبودية العبد لله وحده فيما يعامل به الميت، وكان من هديه في الجنائز إقامة العبودية للرب تبارك وتعالى على أكمل الأحوال، والإحسان إلى الميت وتجهيزه في رحلته إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه صلى الله عليه وسلم ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله ويستغفرون للميت ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه في حفرته ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه ثم يتعاهده بالزيارة له في قبره، والسلام عليه والدعاء له كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا. فأول ذلك تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة وأمر من حضر بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله، لتكون آخر كلامه من الدنيا.

و يستحب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) [رواه مسلم].

وذلك لتكون هذه الكلمة الطيبة آخر كلامه، ويختم له بها فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام احمد وغيره مرفوعا: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) ولأن الشيطان يعرض للإنسان في حالة احتضاره ليفسد عقيدته، فإذا لقن هذه الكلمة العظيمة، ونطق بها فان ذلك يطرد عنه الشيطان، ويذكره بعقيدة التوحيد.

ثم إذا مات العبد فإنه يسرع في تجهيزه: من تغسيله وتكفينه، والصلاة عليه ونقله إلى قبره

وكلما كثر المصلون كان أفضل، لما روى مسلم في صحيحه: ((ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)). وله من حديث ابن عباس: ((وما من مسلم يموت، فيقوم على قبره أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعوا فيه)).

وكان صلى الله عليه وسلم يزور قبور أصحابه للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشَرع لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية.

قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله (ص)؟ قلنا: بلى: قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبي (ص) فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [ رويدا ]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (1)، ثم انطلقت على اثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت.

فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (2) حشيا رابية (3ارتفاع النفس وتواتره) ؟ قالت: قلت: لا شئ [ يا رسول الله ]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [ الخبر ]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة (وضع كفه في صدرها) أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله!؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [ قال ]: نعم قال فان جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك.

وخشيت أن تستوحشي - فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم،

قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون). أخرجه مسلم

و في حديث آخر:( (خرج رسول الله (ص) ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب! قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إلي بريرة، فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يارسول الله أين خرجت الليلة؟ قال: بعثت إلى أهل البقيع لاصلي عليهم).

والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله (ص) نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها).

لكن لا يجوز لهن الاكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض، البلاد الاسلامية، وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور: (لعن رسول الله (ص) (وفي لفظ: لعن الله) زوارات القبور).

ويجوز زيارة قبر من مات على غير الاسلام للعبرة فقط. فعن أبي هريرة قال: (زار النبي (ص) قبر أمه.فبكى: وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).

وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فلا أصل له في السنة، بل الاحاديث تبين عدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله (ص) وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة رضي الله عنها - وهي من أحب الناس إليه (ص) - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء.

ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، ولا يشرع وضع الرياحين والورود على القبور، لانه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه " وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما:(كل بددعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة).

و مقابر المسلمين يجب احترامها وصيانتها عن الأذى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن وأن يجلس على القبر وقال (لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه وتمضي إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على القبر) وذلك لما فيه من إهانة صاحب القبر وهذا الحديث يؤخذ منه أن جميع ما يكون فيه إهانة لأهل القبور فإن ذلك مما أتى الشرع بالتحذير منه والتخويف والواجب في مثل هذه الحال أن ينصح من يلقي القمامة فيها ويبين له أن هذه دار إخوانه المؤمنين وأنه لا ينبغي بل ولا يجوز أن يلقي فيها ما يكون فيه إهانةٌ لهم وعدم القيام بحقهم

والشارع كما نهى عن إهانة القبور كذلك نهى عن تعظيمها كما في البناء والتجصيص فلا يجوز تعظيم القبور و تقديسها بالبناء عليها و تجصيصها وإشادتها بالعلامات الكبيرة الظاهرة البارزة فقد (نهى رسول الله (ص) أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه،

و عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال الخليل المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) خرجاه في الصحيحين.

ولا يجوز اتخاذها مساجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد -يحذر ما صنعوا) خرجاه في الصحيحين أيضا.

ولا يجوز بناء القباب وغيرها على القبور، ولا ترفع أكثر من شبر، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ألاّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته" خرجه الإمام مسلم.

الحامل على هذه المخالفات إنما هو التقليد الأعمى لأوروبا المادية الكافرة التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الإيمان بالآخرة وكل ما يذكر بها

فلا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص بالإسمنت و الآجر، النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة.

أما رش الماء عليه و وضع الطين للمحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفة الرياح ولا تبعثره الامطار، فهو جائز بدون شك لانه يحقق غاية مشروعة.

ويحرم إسراج القبور و إنارتها، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات  القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" أخرجه أهل السنن وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية غفر الله له.

ولا يجوز اتخاذ القبور عيدا، بأن يتردد إليها الناس في أوقات محددة كيوم العيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود وغيره.

ولا تشد الرحال إلى زيارتها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) خرجاه في الصحيحين.

وليست المقابر من المواضع التي يُرغب في قراءة القرآن فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) خرجه الإمام مسلم.

ثم اعلم أعزك الله بالسنة، أن تحريم البناء على القبور، وتحريم إقامة المساجد عليها هو قول جميع الأئمة، ونص على ذلك أهل المذاهب الأربعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق أئمة الدين، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن تعلق عليها الستور، ولا أن تنذر لها النذور، ويجب هدم كل مسجد بُني على قبر كائنا من كان الميت، فإن ذلك من أكبر أسباب الشرك بالله عبادة الأوثان" انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أعرف الناس بالإجماع والاختلاف.

ألا فاعلموا أن زيارة القبور، ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة بدون شد رحل، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث قال: (لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) خرجه الإمام مسلم والترمذي وزاد: (فإنها تذكركم الآخرة).

فالمقصود بزيارة القبور معاشر الإخوان تذكر الآخرة، والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والاستغفار، والعمل بسنة الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، هذه هي الزيارة الشرعية.

وهناك زيارة بدعية، وهي أن يزورهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو شفاء المرض، وسؤال الله بهم أو بجاههم، وكل هذا بدعة لم يشرعه الله تعالى، وبعض هذه الأمور من الشرك الأكبر، كدعاء الموتى، والاستعانة والاستغاثة بالمقبورين، وسؤالهم النصر والشفاء وطلب المدد منهم.

لكن الفتنة قد عمت بالقبور والمشاهد والأضرحة في زماننا، وخالفوا هدي الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، تلك القبور التي يزعمون أنها قبور الأولياء والصالحين، بنيت عليها القباب والمساجد، وأقبل الناس إليها أفواجا من كل مكان، يعكفون عندها، ويقبلون جدرانها، ويطلبون المدد والغوث من أهلها، ويتبركون بتربتها، وهذا مشاهد لا يخفى على البصير،

قال تعالى:( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)

You have no rights to post comments