يا دعاة الإسلام توحيد الله أولاً

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

ربُّنا جلَّت حكمته لم يخلقنا هملاً، ولم يترك أمرنا في هذه الحياة مهملاً، بل خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً.

إن بني الإنسان حين يضلون عن سبيل الله يتخبطون في فوضى التدين، ويغرقون في ألوان الشرك وأوحال الجاهلية: وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32]. وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً [النساء:116].

البشر عقولهم قاصرةٌ عن أن تدرك طريق الصلاح بمفردها، أو تستبين سبيل الرشاد بذاتها. إنها لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعاً أو تدفع ضراً.

لا يرتفع عن النفوس الشقاء، ولا يزول عن العقول الاضطراب، ولا ينزاح عن الصدور القلق والحرج إلا حين تُؤمن القلوب، وتُسلم العقول بأنه سبحانه هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الجبار المتكبر له الملك كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله؛ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]. وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النساء:125].

أيها الإخوة: إن إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة يرتقي بالمؤمن في خلقه وتفكيره، يُنقذه من زيغ القلوب، وانحراف الأهواء، وظلمات الجهل، وأوهام الخرافة، ينقذه من المحتالين والدجالين، والذين يزعمون أنهم أولياء صالحون ممن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً. التوحيد الخالص المخلص يحفظ الإنسان من الانفعالات بلا قيد أو ضابط.

أيها الإخوة، توحيد الله هو العبودية التامة له وحده سبحانه تحقيقاً لكلمة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله : في لفظها ومعناها والعمل بمقتضاها، يقيم المسلم عليه حياته كلها، صلاته ونسكه ومحياه ومماته.

توحيدٌ في الاعتقاد، وتوحيدٌ في العبادة، وتوحيدٌ في التشريع. توحيدٌ تُنَقَّى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله، وتُنَقَّى به الجوارح والشعائر من أن تُصرف لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الأحكام والشرائع من أن تتلقاها من أحدٍ دون الله عزَّ وجلَّ.

التوحيد هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وقطب رحاه، وذروة سنامه. قامت عليه الأدلة، ونادت عليه الشواهد، وأوضحته الآيات، وأثبتته البراهين، نصبت عليه القبلة، وأُسست عليه الملة، ووجبت به الذمة، وعُصمت به الأنفس، وانفصلت به دار الكفر عن دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيدٍ وشقيٍّ ومهتدٍ وغوي.

أيها الإخوة: لقد كانت عناية القرآن بتوحيد الله عظيمة فهو القضية الكبرى، ومهمة الرسل الأولى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ [النحل:36]. وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَانِ ءالِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45]. فالقرآن كله حديثٌ عن التوحيد، وبيان حقيقته والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه. حديثٌ عن جزاء أهله وكرامتهم على ربِّهم، كما أنه حديثٌ عن ضدِّه من الشرك بالله وبيان حال أهله وسوء منقلبهم في الدنيا، وعذاب الهون في الأخرى؛ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48].

والأوامر والنواهي ولزوم الطاعات وترك المحرمات هي حقوق التوحيد ومكملاته.

القرآن العظيم يخاطب الكفار بالتوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به ويعتنقوه؛ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]. فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ الهاً ءاخَرَ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الذاريات:50-51].

وكل نبي يقول لقومه: يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ اله غَيْرُهُ [الأعراف:59]. وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]. ويُخاطَب به المؤمنون ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص فيه أو الخلل؛ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ [النساء:136].

ومن صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الها ءاخَرَ [الفرقان:68]. ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض: يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً [النور:55].

بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بالتخلص من الشرك والبراءة من أهله والإعراض عنه وعنهم فقال عز وتبارك: وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْراهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]. وقال عز وجل: وَوَصَّى بِهَا إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ الهكَ وَاله آبَائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ الها وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:132-133]. قال أهل العلم رحمهم الله تعليقاً على هذه الآيات وأمثالها: فإذا كان يُنهى عن الشرك من لا يمكن أن يقع فيه فكيف بمن عداه؟؟ ولقد قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام: وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36]. قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟؟.

هذا بعض خبر القرآن.

أما السنة فإن بعثة رسول الله ورسالته وسيرته من أولها إلى آخرها؛ مكيِّها ومدنيّها، حضرها وسفرها، سِلمها وحربها، كلها في التوحيد منذ أن أُمر بالإنذار المطلق في سورة المدثر: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] إلى الأمر بإنذار العشيرة فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ الهاً ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:213-214]. إلى الأمر بالصدع بالدعوة فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94]. ثم من بعده الأمر بالهجرة لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] والإذن بالقتال والجهاد: الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40]. إلى فتح مكة حين كسرت الأصنام وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ [الإسراء:81].

إلى الإعلام بدنو الأجل فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3]. وقال وهو في مرض موته: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(1)[1].

لم تخلُ فترةٌ من هذه الفترات البتة من إعلان التوحيد وشواهده ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرضُ البعثة كلِّها في ذلك؛ فما ترك عليه الصلاة والسلام تقريرَ التوحيد وهو وحيدٌ، ولا ذهل عنه وهو محصورٌ في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك؛ فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله.

من أجل هذا كان التوحيد أولاً ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل بلاد.

أما أركان الإسلام الخمسة الكبرى ومعالمه العظمى فشرعت لتعلن التوحيد وتجسده وتقرره وتؤكده تذكيراً وتطبيقاً، وإقراراً وعملاً. فالشهادتان إثبات للوحدانية، نفيٌ للتعدد وحصر للتشريع والمتابعة في شخص المرسَل المبلِّغ محمد .

الصلاة مفتتحةٌ بالتكبير المنبئ عن طرح كل من سوى الله عز شأنه واستصغار كل من دون الله عز وجل. ناهيك عن قرآن الصلاة وأذكارها في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

أما الزكاة فهي قرينة الصلاة في التعبد والاعتراف للرب الجليل وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءةً من عبادة الدرهم والدينار: وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7].

أما الصيام الحق فهو الذي يدعُ الصائمُ فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه.

أما الحج فشعار الأمة كلها في تلك البقاع فهو التلبية بالتوحيد ونفي الشرك.

يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في ذلك كله: (نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله والرجوع إليه وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد).

وفي مأثور نبينا محمد في الورد اليومي الذي يجعله المسلم في حزبه: ((أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين))(2)[2]. وفي الدعاء النبوي: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم))(3)[3].

عباد الله: ما كانت هذه الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظافرة، والبراهين المتوافرة، إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية،وشدة الخوف على الناس من الانحراف والقلوب من الزيغ. ولماذا لا يُخاف عليهم؟ والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتُغويهم.

كيف لا يكون الخوف والرسول خاطب أصحابه الصفوة المختارة من الأمة: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))؟؟(5)[5].

ويزداد الخوف حين يتأمل المتأمل قوله : ((الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل))(6)[6]، بل لقد أخبر عليه الصلاة والسلام: ((أن فئاماً من الأمة تعبد الأوثان وقبائل تلحق بالمشركين))(7)[7].

الخطبة الثانية

 

أيها الإخوة في الله: الأمر خطير ودقيق، شرك خفيٌ في المحبة والتألُّه والخضوع والتذلل، من أعطى حبَّه وذله وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله فكيف يكون حقَّق التوحيد؛ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]. اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

هذا شرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد والتضحية، وذاك شرك في باب الأسباب، وذلك في باب النفع والضرر.

وانظروا في السحر والشعوذة والتطير والتشاؤم والرقى والتمائم، والحلف بغير الله في صور لا تكاد تُحصر. والغلو في الصالحين، ناهيك عن دعاء غير الله، وطلب الغوث من المقبورين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويعلقون عليها القناديل والسرج والستور، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون، ويتطور الحال حتى يتخذونها أعياداً ومنسكاً فلا حول ولا قوة إلا بالله.

صعبٌ على من انغمسوا في ذلك الفساد وولغوا في الأوحال: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.

إنهم لا يعرفون التوحيد، ولا يعرفون صفاء الدين مستعبدون في فكرهم، مشركون في تفكيرهم، إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها وسمتها ورؤيتها وغايتها، مشدودة من خارجها من الشرق والغرب

وبعد أيها الإخوة: فإن نعمة التوحيد يخرج بها قلب العبد من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده، يخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود إلى المعرفة واليقين والطمأنينة والرضا والهداية يخرج من الخضوع المذل لأرباب متفرقين إلى عبادة الواحِّد، لرب الأرباب لاَ اله إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].

الدرس:

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذّر من الشرك وهو في هذه الحالة، فهذا دليل على أن التحذير من الشرك أمر متعيّن، وأنه يجب على الدعاة أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً بالغاً قبل غيره، قبل أن يحثوا النّاس على الصلاة والصيام، وترك الربا، وترك الزنا، وترك شرب الخمر، قبل ذلك ينهوهم عن الشرك، لاسيّما إذا كان واقعاً في الأمة، فالسكوت عنه من الغش للأمة، فلابد أن يُبدأ به، وأن يُعمل على إزالته قبل كل شيء، لأنه إذا صلحت العقيدة صلحت بقية الأعمال.

أما إذا فسدت العقيدة فلا فائدة في الأعمال كلها، ولو ترك الربا، وتصدق بماله، وصلى الليل والنهار، وصام الدهر، وحج، واعتمر، وعنده شيء من الشرك الأكبر، فإن أعماله تكون هباءً منثوراً، لا فائدة منها، أما إذا كان موحّداً خالياً من الشرك، فلو وقع في الكبائر، ولو وقع في الزنا، ووقع في الربا، ووقع في المحرمات التي دون الشرك، فإنه يُرجى له المغفرة، وإن عذب بذنوبه فإنه لا يخلد في النار وهو مؤمن موحد، حكمه حكم المؤمنين، ولابد له من دخول الجنة بتوحيده وإيمانه، وإن كان ضعيفاً، أما إذا كان عنده شرك أكبر، فهذا لا فائدة في أعماله، لو ترك المحرمات كلها، وأدى الواجبات كلها ولم يتجنب الشرك، فإنه لا فائدة في أعماله كلها.

فكيف إذاً نهتم بجوانب فرعية، أو جوانب جزئية، ونترك هذا الأمر الخطير يعجّ في جسم الأمة الإسلامية، ولا نحذّر منه، ولا ندعوا إلى تركه، ولا نسعى في إزالته عن الأمة؟؟ بحجة أننا نريد أن نجمع الأمة كما يقولون.

هذا هو صميم الدعوة، هذا هو الذي جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم للتحذير منه، كل رسول يقول لقومه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}، لان العبادة لا تنفع مع وجود الشرك، فهذا أمر عظيم.

وتسمعون عن مناطق من البلاد الأخرى التي بُليت بهذه الفتنة -والعياذ بالله-، ولم تجد من دعاة التّوحيد من يقوم بنصيحة المسلمين عنها والأمر بإزالتها.

مسألة العذر بالجهل ؟

الأول : جاهل يريد الحق .

والثاني : جاهل لا يريد الحق ؛ فالذي لا يريد الحق غير معذور حتى ولو لم يستطع أن يصل إلى العلم ؛ لأنه لا يريد الحق ، أما الذي يريد أن يعلم الحق فهذا إذا بحث عن الحق ولم يصل إليه فهو معذور ، والمقصود أن الجاهل الذي يمكنه أن يسأل ولا يسأل أو يمكنه أن يتعلم ولا يتعلم فهو غير معذور؛ أما الجاهل الذي لا يمكنه أن يتعلم فهو على قسمين :

- جاهل لا يريد الحق فهو غير معذور .

- وجاهل يريد الحق ثم بحث عنه ولم يحصل عليه فهذا معذور ، والله أعلم .

 

 

 

 

 

عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة " . رواه الترمذي وابن ماجة

You have no rights to post comments