وفاء للإمام عبد الحميد بن باديس

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

منذ أن أكرم الله هذه الأمة ببعثة نبيه محمد وأفواج الدعاة المصلحين يتعاقبون فيها،

علماء مخلصون مربون ربانيون، من خلفاء رسول الله الراشدين، وورثته من العلماء العاملين،

داعين إلى الحق، حاكمين بالقسط، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.

وإن العناية بسيرهم، والتذكير بهم، وهم مصابيح الهدى التي أضاء الطريق،

 

بل حولت مجرى التاريخ في ديارها، وأورثت تحولات فكرية كبرى في عقولها.

إن ذلك مما يجب أن تنصرف إليه الهمم، ويعتني به الموجهون، ويذكر به المذكرون.

إن دراسة حياة الرجال تورث الإحساس بالعزة، وتنبت الشعور بالقوة، وتهدي إلى التمسك بالحق،

وتقود إلى السمو في الخلق، وتفتح الأبواب العريضة من الآمال، والدنيا بغير الرجال الأفذاذ تتقهقر،

ومن الوجود تتلاشى. وإذا نامت الأمة شق إيقاظها، وعسر بعثها، إلا بعد أجيال وأجيال.

أيها الإخوة: ومن خلال النظر في هذه السير يتبين للدارس المتأمل أن الدنيا كلما اسودت  فيها ظلم الجهالة، وخاض الناس معها أمواج الباطل، وخيمت سُحب البدع قيض الله رجالاً، وسدد دعاة يدعون إلى الله على بصيرة، ينيرون الطريق، ويحيون السنن، ويبسطون الحق، فتتطهر على أيديهم بإذن الله القلوب والديار.

وفي فترة من فترات تاريخ الأمة غشيت الدين غاشية سوداء فإذا التوحيد الذي جاء به محمد قد تلبسته أنسجة الخرافة، وقشور التصوف، وكثر الأدعياء الجهلاء، وتلبّدت عقول فئام كثيرة من المسلمين بالذلة والمسكنة، فأحاطت بأعناقهم التمائم والتعاويذ، وقيدت سواعدهم الخيوط والأوهام، وتعلقوا بالقبور وأصحابها، وفشا فيهم التنجيم والسحر والتطير والكهانة، وغابت شمس الحق عن كثير من النفوس حتى هبطوا مهبطًا بعيد القرار، وحتى كأن وظيفة الدين والعقل ألغيتا جميعًا ؟!

في هذه الأجواء الغائمة القاتمة انطلق صارخٌ من قلب الجزائر يدعو إلى الإصلاح، ويوقظ أهل الإيمان، إنه صوت الصالح المصلح الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

أيها الأحبة: وقبل الخوض في الحديث عن هذا الرجل ينبغي التذكير بما تعارف عليه أهل العلم من أن ذكر السير والمناقب إنما يقصد به ذكر الفضل لأصحاب الفضل من غير أن يكون لأحد قداسة ومن غير اعتقاد كمال أو عصمة لبشر. إلا أنبياء الله فيما يبلغون عن ربهم عز وجل، والثناء على عالم ليس حطًا من قدر غيره ممن يستحق الثناء. وإنما ينسب الفضل لأهله، ويؤخذ الحق ممن جاء به.

ومقاييس أهل الإسلام أن تعرض الرجال وأعمالها على ميزان الشرع، وما رجحت كفةٌ إلا بقدر ما أثمرت من جهد، وأنتجت من عمل، وأورثت من حق وصلاح وخير ورشاد في ظل الإسلام وضوابط الشرع. وليس الحق محصورًا في إمام بل ولا في الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم وعلى أئمة الإسلام أجمعين، ولا يزعم ذلك أو يظنه إلا تابعٌ خاملٌ أو ملقد جامدٌ يتجه نحو التحزُّب، ويميل إلى التعصب . وليس الرشد والهدى محصورًا في جماعة مِلكًا لطائفة سوى الطائفة المنصورة الفرقة الناجية ممن كان على مثل ما عليه رسول الله وأصحابه.

وبعد هذا فإن الشيخ بن باديس من أوفر المصلحين حظًا في ميدان الدعوة، ومن أرجحهم كفة في سبيل الإصلاح، طبَّقت شهرته الآفاق، وكتب عنه القاصي والداني، وردّدت سيرته ألسنة وأقلام من الغرباء وذوي القربى، ومن المسلمين وغير المسلمين، وكلها في نظر المنصف تدل على سموِّ الرجل وصلاح أمره ونجاح مقصده.

لقد وهبه الله قوة في النفس، وصدعًا بالحق، وتأثيرًا في السامعين، في صبر ومثابرة، وحسن ظن بالله، وصدق في التعلق به، برع في علوم الدين واللسان، وفاق الأقران، واشتهر بالتقوى وصدق التديُّن.

معتقده الدين الخالص على مذهب السلف المقتدى بهم، لا يخوض في تأويل، ولا يتعمق في فلسفة، يقتدي بالأئمة من غير جمود، لم يطوّق حبل التقليد في عنقه، ولكنه مقتدي مؤدبٌ، يحترم القول وقائله.

دعوته توحيد الله في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وشعائره لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، يوضّح معانيها ويبسط القول فيها منهجًا ودعوةً.

وهل التوحيد إلا إفراد العبادة، وإخلاصها لله رب العالمين؟ وذلك دين الرسل أجمعين، وهو أمر واضحٌ جلي ولكن حبائل الشيطان واسعة.

ولقد أفرد الشيخ المتعلقين بالقبور والأضرحة بخطاب خاص، لما لحظه من عموم الابتلاء بهذا الداء في أقطار كثيرة من هذه البلاد ، فقد دُعي غير الله، وتعلّقت الآمال في كشف الكروب ودفع المصائب بغير الله، وارتفعت الأصوات  تنادي بطلب الغوث من غير الله تحت أعتاب الأضرحة المشيدة، وتحت القباب الشاهقة، وفي تراب القبور المجصَّصة.

وهذا الأمر الذي ندب الشيخ له نفسه لم يكن فيه بدعًا من الأمر فنصوص الكتاب والسنة متوافرةٌ متضافرة، ونص على ذلك أئمة الإسلام المقتدى بهم من قبله، ويكفي الإشارة السريعة إلى ما حكاه الإمام النووي عن الإمام الشافعي رحمهما الله جميعًا في شرح مسلم، وما غلَّظ فيه الشيخ ابن حجر الهيثمي في كتابه الزواجر وسرد أقوال أهل العلم حتى قال: (وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور فذلك أضر من مسجد الضرار) اهـ. كلامه.

ولئن كانت للشيخ عبد الحميد ابن باديس هذه الوقفة الصارمة من القبور والمشاهد فلقد كان شمولي النظرة لأصول الإسلام وفروعه كافة، علمًا وتعليمًا وتطبيقًا خلافًا لما يظن بعض الناس، فلقد كان يمشي في ركاب الإسلام كله عملا بقول الله تعالى((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) فكان حريصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح النفس ومحاسبتها، والاستقامة على أمر الله. وما ذلك إلا لعلمه بالواقع من حوله وإدراكه لأحوال مخالفيه، ومن أجل هذا فقد فصَّل القول في أنواع الآفات الاجتماعية و الفواحش، وبسط الحديث عن ألوان الشرك، وركز الحديث عن المعبودات الباطلة، ومن نماذج ذلك مقالاته و منشوراته في الجرائد و المجلات التربوية. و دروسه و مواعظه,

ولئن كان شموليًا في المنهج فقد كان شموليًا في طبقات المدعوين فاهتم بالعامة كما اهتم بالخاصة، اهتم بالعامة من الحاضرة والبادية، كما اهتم بالعلماء والعلية من القوم. كان من دروسه العامة تفسير القرآن، ظل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هـ/ 12 جوان 1938م. والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358هـ /جوان 1939م).. أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة، ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذين بلغوا سن التعلم،،

و أعطى ابن باديس تعليم المرأة المسلمة اهتمامًا كبيرًا، مدركًا الخطر المحدق بالأمة إذا تركت المرأة بغير تعليم.
كان أهالي الجزائر في زمن الاستعمار يمنعون بناتهم من الذهاب إلى المدارس الحكومية، لأن القائمين عليها ليسوا مسلمين.. واستمر الأمر كذلك إلى أن منعوهن من التعليم في الكتاتيب الحرة، غْيرَةً على الأعراض وحفاظًا على الدين في نظرهم.
بقيت المرأة بعيدة عن التعليم إلى أن ظهرت بوادر الحركة الإصلاحية، فنادى الشيخ ابن باديس بضرورة تعليم البنات، وتوفير المكان المناسب لهن دون الاختلاط بالذكور، معطيًا بذلك روحًا جديدًا للتعليـم في الجزائر لم يكن معهودًا فيها من قبل،

فلم تشغله رحمه فئة عن فئة، فوضع لكل فئة من المجتمع ما يناسبها، وحدَّث كل طبقة بما يلائمها . واستطاع بتوفيق الله أن يعلم الجاهل في الحواضر والبوادي والأرياف أصول الدين ومبادئه، فاجتمع للجميع حسن المعتقد مع حسن العمل، وليس من المبالغة أن يقال إن لدى بعض هؤلاء العامة الدارسين على يديه أو الذين درسوا على إخوانه العلماء ما لم يطلع عليه حملة الشهادات العليا في زماننا معرفة وسلوكًا، فأثمر منهجه انتشار المعلمين في القرى والأرياف والحواضر والبوادي، يعلمون العلم النبوي الموروث السهل الميسر البعيد عن العموميات والغموض، إنها دروس يسمعها الأمي فيفهمها ويستوعبها، ويقرأها طالب العلم فيقتنع بها، فهل يعي هذا القائمون على شئون الدعوة والدعاة والذين يعلمون الناس الخير؟!

لقد أدرك هذا الإمام المجاهد أن عمليات الإصلاح التغيير ومحاولات لا يكتب لها النجاح و إلا إذا استقامت على المنهج النبوي ، تبدأ من تحرير الإرادة، وتحرر الضمير.. تبدأ من داخل النفس.. ذلك أن القيام بأي عمل مؤثر في الواقع الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي، غير ممكن قبل تحرير الإرادة وانعتاق الضمير من رواسب ذلك الواقع وتأثيراته، الأمر الذي يمكِّن من إعادة صياغة الإنسان، وإعادة تشكيله، باعتباره أداة التغيير وهدفه في وقت واحد، وعلى الرغم من أن الإنسان نفسه يتأثر بالواقع، لكنه في ذات الوقت يؤثر به.

لقد كان مبدأ الإصلاح في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم حلقات العلم  والذكر وقراءة القرآن الكريم التي كانت تدار في دار الأرقم بن أبي الأرقم والفهم لمعاني القرآن وألفاظه والمعرفة بمفاهيم الإسلام وشرائعه.يحضرها رجال يعدون على الأصابع أبو بكر وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص عثمان بن مظعون وأبا عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم.

فكان العاقبة كما قال الله تعالى((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)

 

لقد جعل الله سبحانه وتعالى إرادة الإنسان هي مفتاح التغيير والإصلاح، فقال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الرعد:11)

إن هذه الدعوة المباركة حلقة من حلقات الإصلاح والتجديد في أمة الإسلام عبر القرون والأجيال، تتبع النصوص، وتجتهد في فهمها، وتسترشد بأقوال أئمة الإسلام.

ولكن قاتل الله الذين يسترزقون من الخرافة و الطقوس الجاهلية، حالهم مع العلم الصحيح كحال الخفافيش يؤذيها ضياء النهار أو كحال الشيطان يؤذيه صوت الأذان حالهم كحال فرعون القائل لقومه و هو يحذر من موسى: إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26]. فما دخلت هذه االبدع و الخرافات شيئًا إلا أفسدته، وأهلها في سبيل غاياتهم لا يفرقون بين حق وباطل، ولا بين حلال وحرام، فالحقائق عندهم ممسوخة، ومخالفوهم في أقفاص الإتهام أبدًا محبوسون. فقد وضعوا لدعوة الشيخ لقبًا ليشوهوا بياضها، بل يريدون تشويه كل حركة لا توافق أهواءهم،

يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله:و من هذه النغمات التي نسمعها و نقرؤها في بعض الأوقات: أن جمعية العلماء تعمل لنشر الوهابية

 

 

ولكن طلاب الحقيقة وأهل الانصاف لن يعجزوا عن تحصيل مبتغاهم إذا اعتمدوا القراءة الجادة المتجردة المتأنية المنصفة ليفرقوا بين الحق و الباطل وبين ما ينفع الناس والغثاء ،إذا وقاهم الله داء التحيز وفتنة التعصب. وقد آن الأوان أن تزول الغشاوة عن الأفهام. فلئن كان العذر مقبولاً أو متلمسًا في الماضي زمن الاحتلال، فليس الآن بمقبول ولا معذور؛ فإن الأيام وعدل التاريخ تكشف الحق المخبوء، فيزول من الأذهان ما نشر من سوء، ويهال التراب على أصحاب الأهواء، ويبقى صاحب الحق على قمم الخلود مرتفعًا كالنجم الساطع لمعانًا. يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

 

N

You have no rights to post comments