إنك ميت وإنهم ميتون

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

بعد أن رجع النبي من تبوك في رمضان من العام التاسع للهجرة، وقد دانت له الجزيرة، بدأت تتوافد عليه القبائل أفواجا، كل قبيلة يقدمها أشياخها يعلنون الدخول في دين الله تعالى، فكان في ذلك العام يستقبل الوفد بعد الوفد حتى سمي عام الوفود.

ولانشغاله بتلك الوفود أَمَّرَ على الحج في ذلك العام - العام التاسع - أبا بكر الصديق .

ثم دخل العام العاشر، والوفود تترا عليه. فأقرّ الله تعالى عينه بتلك الجموح الجمعاء وهي تدخل في دين الله، طارحةً كل معبود سواه، بعد أن كانت الجزيرة مهد عبادة الأصنام والأوثان.

وهنا جاء النعي إلى النبي في نفسه بعد أن بلغ ما أرسل إليه من ربه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً.

وكانت أمارات قرب الرحيل قد تكاثرت في تلك السنة.

 

ففي رمضانها عرض عليه جبريل القرآن مرتين بعد أن كان يعرضه عليه مرة واحدة.

وفي تلك السنة بعث معاذاً إلى اليمن فخرج معه يودّعه، ومعاذ راكب، وهو يمشي تحت راحلته يوصيه، فلما فرغ قال: ((يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري)).فبكى معاذ حزنا لفراق النبي.

أيها الأحبة في الله:وفي آخر تلك السنة العاشرة أذّن في الناس بالحج، فقدم المدينة بشرٌ كل يلتمس الاقتداء بالنبي.

فأحرم من ذي الحليفة، ثم ركب القصواء، والناس بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله مدّ البصر، فأهلّ بالتوحيد ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)).

حتى إذا أتى البيت طاف وسعى، ثم أتم مناسكه في أيام الحج، وهو يقول للناس: ((لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).

وخطب الناس في عرفة خطبة عظيمة بيّن فيها أصول الإسلام، وأوصى فيها بالحقوق، وأسقط فيها عادات الجاهلية.

وأنزل عليه في ذلك اليوم قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.

وبعد أن قضى مناسكه وطاف بالبيت الوداع، وقفل راجعاً إلى المدينة، وفي طريقه وقف بماء يدعى غدير خم، فقام في الناس خطيباً، فحمد الله وأنثى عليه ثم قال: ((أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) [رواه مسلم].

ولما رجع إلى المدينة بدأ في تجهيز جيش ليُسيِّره إلى الشام، وأمّر عليه أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

ولما سمع أن أناساً طعنوا في إمرة أسامة، قال على المنبر: ((إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لها لخليقاً - يعني زيداً -، وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي، وأيم الله إن هذا لها خليق - يعني أسامة - وأيم الله إن كان لأحبّهم إليّ من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم)) [متفق عليه].

وكان الجيش قد توقف عن المسير لاشتداد المرض برسول الله ثم وفاته بعد ذلك. فكان من أول أعمال أبي بكر لما بويع بالخلافة إنفاذ جيش أسامة.

أيها الأحبة في الله:وفي أواخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة، وفي جوف الليل بعث النبي مولاه أبا مويهبة فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أُمرت أن أستغفر لأهل ذا البقيع فانطلق معي)).

قال: فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنيء لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرُها أوّلها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل عليّ وقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)).

قال: فقلت بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: ((لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة)) ثم أستغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله وجعُه الذي قبضه الله فيه. [أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي].

ثم إنه صلى على شهداء أحد كالمودّع للأحياء والأموات.

فعن عقبة بن عامر الجهني : أن رسول الله صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات.

ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط - أي سابق - وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)) [متفق عليه].

وبدأ بالنبي وجعه فدخل على عائشة وهي تشكو صداعاً وتقول: وارأساه، فقال : ((بل أنا والله يا عائشة وارأساه))، قالت: ثم قال: ((وما ضرك لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك)) فقالت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم .

وحدّث أصحابه بقرب أجله فلم يفقه ذلك إلا أبا بكر .

فعن أبي سعيد قال: خطب النبي فقال: ((إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)) فبكى أبو بكر ، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ، إن يكن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، ثم قال : ((يا أبا بكر لا تبك، إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقيّن في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر)) [متفق عليه].

وكان يدور على نسائه، فشق ذلك عليه لاشتداد المرض، فجعل يسألهن: ((أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)) ففهمن مراده، فأذنّ له أن يكون حيث شاء.

فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعليّ بن أبي طالب عاصباً رأسه، تخط قدماه في الأرض حتى دخل بيت عائشة.

وكان يوعك وعكاً شديداً، حتى قال ابن مسعود دخلت على رسول الله وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: ((أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)).

وكان يشكو من أثر السم الذي أصابه من شاة اليهودية يوم خيبر، فقد قال لعائشة: ((يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهري من ذلك السم)) [متفق عليه].

وقبل وفاته بأيام، اشتد به الوجع فأغمي عليه، ثم قال: ((هريقوا عليّ من سبع قِرب لم تُحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس))، فأجلسنه نساؤه في مِخضب كان لحفصة، ثم طفقن يصببن عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن.

ثم خرج إلى الناس معصوب الرأس، وأشار إليهم بقرب وفاته ، ففقه ذلك أبو بكر .ثم.. استغفر لشهداء أحد.

ثم أوصى بالأنصار خيراً فقال: ((إن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضر فيه قوماً وينفع آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)) فكان ذلك آخر مجلس جلس فيه النبي .

وكان آخر ما صلى بالناس صلاة المغرب وقرأ فيها بالمرسلات عرفاً.

ولما جاء وقت صلاة العشاء ثقل واشتد به الوجع، فقال: أصلى الناس؟ قيل: لا هم ينتظرونك، فقال: ((ضعوا لي ماءً في المخضب))، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: ((أصلى الناس؟)) قيل: لا هم ينتظرونك، يا رسول الله، فقال: ((ضعوا لي ماءً في المخضب فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس، قيل: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، وهكذا كلما ذهب لينوء أغمي عليه ، فقال: بعد ذلك: مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فراجعته عائشة في ذلك، فأبى إلا أبا بكر، فصلى أبو بكر تلك الأيام.

ثم إنه وجد في نفسه خفه، فخرج وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي أن لا يتأخر، فصار الصديق يصلي بصلاة رسول الله ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.

ثم رجع إلى بيت عائشة ونساؤه مجتمعات عنده، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( مرحبا بابنتي ) . ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا فبكت فقلت لها لم تبكين ؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت ما كنت لأفشي رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قبض النبي صلى الله عليه و سلم فسألتها فقالت أسر إلي ( إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي ) . فبكيت فقال ( أما ترضين أن تكوني سيدة أهل الجنة أو نساء المؤمنين ) . فضحكت لذلك

 وفي يوم الاثنين الذي قبض فيه، والمسلمون في صلاة الفجر، لم يفجأهم إلا ورسول الله قد كشف ستر الحجرة، فنظر إليهم ووجهه يتلألأ نوراً وضياءً، ثم تبسم ضاحكاً، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، يظنون أن النبي قد شفي، وأنه سيعود ليصلي بهم، ويسيّرهم في الغزوات، ويتلو بينهم أي الكتاب.وما علموا أنها نظرت الفراق والوداع.

نظرات المحب لأحبابه، والصاحب لأصحابه.

وما دروا أنها النظرة الأخيرة في هذه الحياة بعد صحبته تلك السنين. فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ثم أرخى الستر.

وبدأ الوجع يراجعه اشتداده حتى ارتفع الضحى، واشتدت عليه حماه، ورأت ابنته فاطمة ما يتغشاه، فقالت: واكرب أبتاه، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)).

وبدأ الاحتضار وقد عانى من سكرات الموت ما عانى، حتى أنه يدخل يده في الإناء ويصب الماء على وجهه ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)).

وكان من آخر وصاياه في التحذير من اتخاذ القبور مساجد.

وكذلك قوله: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)).

وبدأ به الاحتضار ، فسندته عائشة رضي الله عنها إلى صدرها وهو يقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)) ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى)).

قالت عائشة: فعرفت أنه لا يختارنا، ثم قبض ومالت يده.

الخطبة الثانية:

وعظمت مصيبة موت النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والناس بين مصدق ومكذب، وعمر يهدد كل من يقول: إن الرسول قد مات.

حتى جاء أبو بكر ، ودخل على النبي ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتّها.

ثم خرج وخطب في الناس فقال: أيها الناس فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان من كم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين.

وكأن الناس لم يسمعوا بالآية إلا يوم أن تلاها أبو بكر .

ثم غسل يوم الثلاثاء، ودفن ليلة الأربعاء.

لقد مات رسول الله ولكن دعوته لم تمت، هذه هي بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

لم تصل إلينا بطول السبات، ولا بكسل النفوس.

ولكنه جهاد يتبعه جهاد، ودعوة تسخر لها الليالي والأيام.

فما أغفل النفوس حين تعرض عن هديها صفحاً، وتقابل أمرها بالمخالفة الظاهرة.

إن الأجيال المتعاقبة في شرق الأرض وغربها تموج بها أعاصير الفتن، وترمي عليها بسواد ليلها.

ولا خلاص من مغبتها وسوء عاقبتها إلا بأن تنشأ تلك الأجيال في أقوم سبيل، وتتربى على كريم الأقوال والأفعال، بعيداً عن سبل الغواية ومواطن الردى.

وإن هذا لا يكون إلا حين تقام معالم الأسوة الحسنة لتحث الخطا في هداها، وتلهج الألسنة بذكراها.

بعد أن رجع النبي من تبوك في رمضان من العام التاسع للهجرة، وقد دانت له الجزيرة، بدأت تتوافد عليه القبائل أفواجا، كل قبيلة يقدمها أشياخها يعلنون الدخول في دين الله تعالى، فكان في ذلك العام يستقبل الوفد بعد الوفد حتى سمي عام الوفود.

ولانشغاله بتلك الوفود أَمَّرَ على الحج في ذلك العام - العام التاسع - أبا بكر الصديق .

ثم دخل العام العاشر، والوفود تترا عليه. فأقرّ الله تعالى عينه بتلك الجموح الجمعاء وهي تدخل في دين الله، طارحةً كل معبود سواه، بعد أن كانت الجزيرة مهد عبادة الأصنام والأوثان.

وهنا جاء النعي إلى النبي في نفسه بعد أن بلغ ما أرسل إليه من ربه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً.

وكانت أمارات قرب الرحيل قد تكاثرت في تلك السنة.

ففي رمضانها عرض عليه جبريل القرآن مرتين بعد أن كان يعرضه عليه مرة واحدة.

وفي تلك السنة بعث معاذاً إلى اليمن فخرج معه يودّعه، ومعاذ راكب، وهو يمشي تحت راحلته يوصيه، فلما فرغ قال: ((يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري)).فبكى معاذ حزنا لفراق النبي.

أيها الأحبة في الله:وفي آخر تلك السنة العاشرة أذّن في الناس بالحج، فقدم المدينة بشرٌ كل يلتمس الاقتداء بالنبي.

فأحرم من ذي الحليفة، ثم ركب القصواء، والناس بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله مدّ البصر، فأهلّ بالتوحيد ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)).

حتى إذا أتى البيت طاف وسعى، ثم أتم مناسكه في أيام الحج، وهو يقول للناس: ((لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).

وخطب الناس في عرفة خطبة عظيمة بيّن فيها أصول الإسلام، وأوصى فيها بالحقوق، وأسقط فيها عادات الجاهلية.

وأنزل عليه في ذلك اليوم قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.

وبعد أن قضى مناسكه وطاف بالبيت الوداع، وقفل راجعاً إلى المدينة، وفي طريقه وقف بماء يدعى غدير خم، فقام في الناس خطيباً، فحمد الله وأنثى عليه ثم قال: ((أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) [رواه مسلم].

ولما رجع إلى المدينة بدأ في تجهيز جيش ليُسيِّره إلى الشام، وأمّر عليه أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

ولما سمع أن أناساً طعنوا في إمرة أسامة، قال على المنبر: ((إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لها لخليقاً - يعني زيداً -، وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي، وأيم الله إن هذا لها خليق - يعني أسامة - وأيم الله إن كان لأحبّهم إليّ من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم)) [متفق عليه].

وكان الجيش قد توقف عن المسير لاشتداد المرض برسول الله ثم وفاته بعد ذلك. فكان من أول أعمال أبي بكر لما بويع بالخلافة إنفاذ جيش أسامة.

أيها الأحبة في الله:وفي أواخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة، وفي جوف الليل بعث النبي مولاه أبا مويهبة فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أُمرت أن أستغفر لأهل ذا البقيع فانطلق معي)).

قال: فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنيء لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرُها أوّلها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل عليّ وقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)).

قال: فقلت بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: ((لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة)) ثم أستغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله وجعُه الذي قبضه الله فيه. [أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي].

ثم إنه صلى على شهداء أحد كالمودّع للأحياء والأموات.

فعن عقبة بن عامر الجهني : أن رسول الله صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات.

ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط - أي سابق - وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)) [متفق عليه].

وبدأ بالنبي وجعه فدخل على عائشة وهي تشكو صداعاً وتقول: وارأساه، فقال : ((بل أنا والله يا عائشة وارأساه))، قالت: ثم قال: ((وما ضرك لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك)) فقالت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم .

وحدّث أصحابه بقرب أجله فلم يفقه ذلك إلا أبا بكر .

فعن أبي سعيد قال: خطب النبي فقال: ((إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)) فبكى أبو بكر ، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ، إن يكن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، ثم قال : ((يا أبا بكر لا تبك، إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقيّن في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر)) [متفق عليه].

وكان يدور على نسائه، فشق ذلك عليه لاشتداد المرض، فجعل يسألهن: ((أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)) ففهمن مراده، فأذنّ له أن يكون حيث شاء.

فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعليّ بن أبي طالب عاصباً رأسه، تخط قدماه في الأرض حتى دخل بيت عائشة.

وكان يوعك وعكاً شديداً، حتى قال ابن مسعود دخلت على رسول الله وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: ((أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)).

وكان يشكو من أثر السم الذي أصابه من شاة اليهودية يوم خيبر، فقد قال لعائشة: ((يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهري من ذلك السم)) [متفق عليه].

وقبل وفاته بأيام، اشتد به الوجع فأغمي عليه، ثم قال: ((هريقوا عليّ من سبع قِرب لم تُحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس))، فأجلسنه نساؤه في مِخضب كان لحفصة، ثم طفقن يصببن عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن.

ثم خرج إلى الناس معصوب الرأس، وأشار إليهم بقرب وفاته ، ففقه ذلك أبو بكر .ثم.. استغفر لشهداء أحد.

ثم أوصى بالأنصار خيراً فقال: ((إن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضر فيه قوماً وينفع آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)) فكان ذلك آخر مجلس جلس فيه النبي .

وكان آخر ما صلى بالناس صلاة المغرب وقرأ فيها بالمرسلات عرفاً.

ولما جاء وقت صلاة العشاء ثقل واشتد به الوجع، فقال: أصلى الناس؟ قيل: لا هم ينتظرونك، فقال: ((ضعوا لي ماءً في المخضب))، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: ((أصلى الناس؟)) قيل: لا هم ينتظرونك، يا رسول الله، فقال: ((ضعوا لي ماءً في المخضب فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس، قيل: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، وهكذا كلما ذهب لينوء أغمي عليه ، فقال: بعد ذلك: مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فراجعته عائشة في ذلك، فأبى إلا أبا بكر، فصلى أبو بكر تلك الأيام.

ثم إنه وجد في نفسه خفه، فخرج وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي أن لا يتأخر، فصار الصديق يصلي بصلاة رسول الله ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.

ثم رجع إلى بيت عائشة ونساؤه مجتمعات عنده، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( مرحبا بابنتي ) . ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا فبكت فقلت لها لم تبكين ؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت ما كنت لأفشي رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قبض النبي صلى الله عليه و سلم فسألتها فقالت أسر إلي ( إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي ) . فبكيت فقال ( أما ترضين أن تكوني سيدة أهل الجنة أو نساء المؤمنين ) . فضحكت لذلك

 وفي يوم الاثنين الذي قبض فيه، والمسلمون في صلاة الفجر، لم يفجأهم إلا ورسول الله قد كشف ستر الحجرة، فنظر إليهم ووجهه يتلألأ نوراً وضياءً، ثم تبسم ضاحكاً، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، يظنون أن النبي قد شفي، وأنه سيعود ليصلي بهم، ويسيّرهم في الغزوات، ويتلو بينهم أي الكتاب.وما علموا أنها نظرت الفراق والوداع.

نظرات المحب لأحبابه، والصاحب لأصحابه.

وما دروا أنها النظرة الأخيرة في هذه الحياة بعد صحبته تلك السنين. فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ثم أرخى الستر.

وبدأ الوجع يراجعه اشتداده حتى ارتفع الضحى، واشتدت عليه حماه، ورأت ابنته فاطمة ما يتغشاه، فقالت: واكرب أبتاه، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)).

وبدأ الاحتضار وقد عانى من سكرات الموت ما عانى، حتى أنه يدخل يده في الإناء ويصب الماء على وجهه ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)).

وكان من آخر وصاياه في التحذير من اتخاذ القبور مساجد.

وكذلك قوله: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)).

وبدأ به الاحتضار ، فسندته عائشة رضي الله عنها إلى صدرها وهو يقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)) ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى)).

قالت عائشة: فعرفت أنه لا يختارنا، ثم قبض ومالت يده.

الخطبة الثانية:

وعظمت مصيبة موت النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والناس بين مصدق ومكذب، وعمر يهدد كل من يقول: إن الرسول قد مات.

حتى جاء أبو بكر ، ودخل على النبي ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتّها.

ثم خرج وخطب في الناس فقال: أيها الناس فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان من كم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين.

وكأن الناس لم يسمعوا بالآية إلا يوم أن تلاها أبو بكر .

ثم غسل يوم الثلاثاء، ودفن ليلة الأربعاء.

لقد مات رسول الله ولكن دعوته لم تمت، هذه هي بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

لم تصل إلينا بطول السبات، ولا بكسل النفوس.

ولكنه جهاد يتبعه جهاد، ودعوة تسخر لها الليالي والأيام.

فما أغفل النفوس حين تعرض عن هديها صفحاً، وتقابل أمرها بالمخالفة الظاهرة.

إن الأجيال المتعاقبة في شرق الأرض وغربها تموج بها أعاصير الفتن، وترمي عليها بسواد ليلها.

ولا خلاص من مغبتها وسوء عاقبتها إلا بأن تنشأ تلك الأجيال في أقوم سبيل، وتتربى على كريم الأقوال والأفعال، بعيداً عن سبل الغواية ومواطن الردى.

وإن هذا لا يكون إلا حين تقام معالم الأسوة الحسنة لتحث الخطا في هداها، وتلهج الألسنة بذكراها.

You have no rights to post comments