وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

يقول ربنا تبارك و تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

 

سبب نزول هذه الآيات المباركات أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه في سرية إلى مكان يسمى نخلة في رجب سنة 2 هـ في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير وفيهم عَمَّار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة، وسعد بن أبي وَقَّاص، وعتبة بن غَزْوان السُّلمي وسُهَيل بن بيضاء، وعامر بن فُهيرة، وواقد بن عبد الله.

 فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون قافلة لقريش وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب له كتابا وأمره أن لا يفتحه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ولما فتح الكتاب وجد فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم,

 فقال : سمعا وطاعة وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع قال عبد الله وأما أنا فناهض فمضوا كلهم فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتناوبان على ركوبه فتخلفا عن البقية.

و سار عبد الله بن جحش حتى نزل بالمكان الذي يسمى نخلة فمرت به قافلة لقريش تحمل زبيبا وجلودا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل : ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة .

فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ثم أجمعوا على ملاقاتهم و قتالهم فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل ثم قدموا بالقافلة والأسيرين وقد عزلوا من ذلك الخمس وهو أول خمس كان في الإسلام وأول قتيل في الإسلام وأول أسيرين في الإسلام.

فلما قدموا على رسول الله قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". فوقَّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من الغنائم شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم، وظن عبد الله بن جحش و أصحابه أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.  وأنكر رسول الله صلى الله عليه و سلم عليهم ما فعلوه.

وثارت ثائرة كفار قريش .وقالوا : محمد يحل الشهر الحرام بالقتال فيه ، ورَدَّد ذلك اليهود والمنافقون بالمدينة.

فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر جريمة عند الله من قتل من قتلتم  منهم، { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه  فذلك أكبر عند الله من القتل:

{ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا } أي: ثم هم مقيمون على ضلالكم، غير تائبين ولا نازعين.

فيقول سبحانه  ردا على دعاية المشركين : هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرا فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن بيته وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه والشرك الذي أنتم عليه والفتنة التي حصلت منكم به أكبر عند الله من قتالهم فى الشهر الحرام وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك

كقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة }

 وحقيقتها : أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه ويعاقب من لم يفتتن به ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها : { ذوقوا فتنتكم }

قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الحرج و قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نُفْديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة ابن غَزْوان -فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.

فأما أحد الأسيرين و هو الحكم بن كيسان فأسلم وحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرًا.

قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه من الحرج حين نزل القرآن، طَمعُوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نُعطَى فيها أجر المجاهدين [المهاجرين] ( ؟ فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.

وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.

معاشر المؤمنين، هذه الحادثة العظيمة فيها فوائد :

1 – منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو مرجع الصحابة في العلم؛ لقوله تعالى: { يسألونك} أي يا محمد.

و من الفوائد أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يحرص على قضاء حوائجه بالسر و الكتمان و لذلك كتب لعبد الله بن جحش كتابا وأمره أن لا يفتحه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه لئلا تسبقه الجواسيس ويحذروا الأعداءفإن من سوء التدبير إفشاء الأمر قبل تمامه.و المقصود أن المؤمن لا يُذيع كل شيء ؛ لأن في الناس حَسَدَة ، ومنهم مَن يتمنّى زوال النعمة عنه ، ومنهم مَن قد يسعى للإفساد على الناس ، ومنهم مَن يُصيب بالعين ؛ فلهذا كله أُمِر الإنسان أن يَكْتُم بعض ما عنده . و في الحديث((" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان "

2 - ومنها: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بما يقع منهم من المخالفة؛ وأنهم يندمون ، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة؛ لقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه }.

و من عدل القرآن أنه لم يسكت عن الذنب الذي وقع فيه عبد الله بن جحش و أصحابه كما قال تعالى((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)) و من هنا لا ينبغي السكوت عما يقترفه بعض المسلمين من الإجرام باسم الجهاد في سبيل الله بقتل الأبرياء من المسلمين و غير المسلمين,

3 - ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم كل الأحكام؛ بل لا يعلم إلا ما علمه الله عزّ وجلّ؛ ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: { قل قتال فيه كبير... }.

 - ومنها: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: { قل قتال فيه كبير }؛

7 - ومن الفوائد: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لقوله تعالى: { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله

8 - ومنها: أن أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق و يمنع غيره من معرفة الهدى؛ فكل من صد عن الخير فهو صاد عن سبيل الله؛ ولكن هذا الصد يختلف باختلاف ما صد عنه؛ من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء - مثل مشركي قريش؛.

وقد يكون الصد بإلهاء الناس، وإشغالهم عن فعل العبادات بالملهيات كالمباريات و المسلسلات ونحوها؛ وقد يكون بتحقير العبادات في أنفسهم؛ وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم، ويدَعوه.

11 - ومن فوائد الآية: تفاوت الذنوب؛ لقوله تعالى: { قل قتال فيه كبير } إلى قوله تعالى: { أكبر عند الله }؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فيكون في ذلك رد على من أنكر أن الإيمان يزيد و ينقص –

ومن فوائد الآية: تسلية الله عزّ وجلّ للمؤمنين و التخفيف عنهم بما جرى من الكافرين من الطعن في الصحابة و الإساءة إليهم مقابل فعل المؤمنين، حيث قاتلوا في الشهر الحرام.

15 - ومنها: التحذير من الفتنة أنها - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم؛ لأن غاية ما في قتلهم أن تفوتهم الحياة الدنيا؛ أما صدهم عن الإيمان لو صدوا عنه لفاتتهم الدنيا والآخرة؛ وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه»(31)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص.

ومن فوائد الآية: حرص المشركين على أن يرتد المؤمنون بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }؛ ولهذا كان الغزو الفكري عن طريق وسائل الإعلام، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو العسكري؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح يقاومه الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحداً أن يقاتلهم؛ وكلمة: { لا يزالون } تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم لاضلالهم المسلمين عن دينهم مستمرة.

19 - ومنها: أن الردة عن الإسلام مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } ومثله و العياذ بالله ما نسمعه من سب الدين بل و سب الرب سبحانه خالق الأرض و السماوات نسأل الله السلامة و العافية.

ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }.

 

 

You have no rights to post comments