غزوة أحد دروس وعبر

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

لقد بعث الله نبينا محمداً على حين فترة من الرسل، والحياة مليئة بظلماء جهالاتها، ودهماء ضلالاتها، فأخذ النبي ومعه صحبٌ كرامٌ بنشر هذا الدين في الآفاق، وتصدى أهل الكفر والعناد لدعوته، وأشهروا السيوف لمقابلته، فالتقوا في بدر، وتحقق النصر بعون الله، فارتفعت راية الإسلام، وعاد المشركون إلى مكة بالهزيمة، كلٌّ يبكي قتلاه، ويشكي بلواه، وعظم عليهم المصاب، فعزمت قريش على إعداد العدّة لملاقاة المسلمين، وأمضوا عاماً كاملاً في الاستعداد، فاجتمع جمعهم، واتجه جيشهم إلى المدينة النبوية في شوال من السنة الثالثة، ليأخذوا بثأرهم [من] يوم بدر، ونزلوا عند جبل أحد على شفير الوادي، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، فأشاروا على النبي بالخروج لملاقاتهم، وعزم المسلمون على الخروج إليهم، وبعد أن صلى النبي بالناس يوم الجمعة دخل بيته، وخرج متهيئاً للقتال، لابساً لأمة الحرب(1)[1]، وقال: ((ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه))(2)[2].

 

ثم خرج في ألف من الرجال، فلما كانوا بين المدينة وأحد، انشق عنه عبد الله بن أبيّ رأس النفاق بثلث الجيش، فتركهم رسول الله ومضى حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي من الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، فصار جيش المشركين فاصلاً بين المسلمين وبين المدينة، وجعل على الرماة خمسين رجلاً، أمّر عليهم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن يلزموا مكانهم، وأن لا يفارقوه ولو رأوا الطير تخطفهم، وقال: ((إن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا))(3)[3].

فلما كان صبيحة يوم السبت، استعدَّ للقتال، وظاهر بين درعيه، واستعرض الشباب، وردّ من استصغره على القتال، وأجاز آخرين، وكان ممن أجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة.

واستعدت قريش أيضاً للقتال، المشركون قوامهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم مائتاً فارس، يقودهم أبو سفيان، يريدون أن يطفئوا نور الله، وإضلال العباد، والمسلمون سبعمائة رجل، يبتغون النصر أو الشهادة.

وحرّض النبي أصحابه على القتال، وحضَّهم على الصبر و المجالدة، وتقابل الجيشان، وتقارب الجمعان، وأصبحت السيوف مصلتة، والرماح مبرزة، والسهام منتثرة، حزب الرحمن، وحزب الشيطان.

ثم أذن النبي بالقتال، ودنا بعضهم من بعض، وتلاحم الفرسان، وحمي الوطيس، وكانت الديرة للمسلمين، وأنزل الله نصره على المؤمنين، وانكشف المشركون، ، وولوا مدبرين، فلما رأى الرماة هزيمتهم، ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فنزل من نزل منهم في طلب الغنيمة، وتركوا مكانهم الذي أمرهم رسول الله بحفظه، وذكرهم أميرهم بلزومه، فنزلوا و فتحوا ثغرة في ظهور المسلمين، فالتفّ خالد بن الوليد - وهو على الشرك يومئذ - من وراء جبل الرماة، فقتل العشرة الباقين من الرماة الذين على الجبل، وأصبح جيش المسلمين بين خيالة المشركين من الخلف، وبين مشاتهم من الأمام، وأحاطوا بالمسلمين، وانهزمت طائفة من المسلمين، وتفرق جمعهم، ووقع القتل فيهم رضي الله عنهم وأرضاهم، واضطربت صفوف المسلمين، فكان ما أراد الله و قدره، فأكرم من أكرم بالشهادة، وثبت النبي حين انكشفوا عنه، وهو يدعوهم في أخراهم حتى رجع إليه بعضهم، وخلص المشركون إلى النبي يريدون قتله، فشجوا وجهه، وكسروا رَباعيّته بحجر، ووقعت حلقتان من حِلق المغفر في وجهه، وهشموا البيضة على رأسه، وهي الخوذة التي يضعها الفارس على رأسه، ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق حفرها ليكيد بها المسلمين، فأخذ علي بن أبي طالب رضي الله بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله، وقتِل مصعب بن عمير بين يديه، وأدرك المشركون الرسول ، فحال دونهم نفر من المسلمين، نحوٌ من العشرة، حتى قتِلوا جميعاً، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أبعدهم عنه، فشلت يده رضي الله عنه، وغطى أبو دجانة عليه بظهره، والنبال تقع عليه وهو لا يتحرك، وقايةً لرسول الله ، وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمداً قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وتولى أكثرهم، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً [الأحزاب:38].

وأقبل الرسول نحو المسلمين، فرأوه واجتمعوا به، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، واستندوا إلى الجبل، وغسل علي بن أبي طالب الدم عن وجه النبي ، وصبّ ماء على رأسه، ولما رأت ابنته فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، فألصقتها، فاستمسك الدم، وأجهد النبي غاية الإجهاد، ولما أراد أن يعلو صخرة هناك لم يستطع لما أصابه من الجراح، فجلس طلحة تحته حتى صعدها، وفزع الناس لقتلاهم، ثم نزل رسول الله فرأى الشهداء قد مثّل بهم، وقد مثل بهم أقبح تمثيل، وتلمّس عمه حمزة فوجده في الوادي، مبقورَ البطن، مجدوعَ الأنف والأذنين.

ومال المشركون إلى رحالهم، وفي الأرض أشلاء، وأرواح تحتضر، وكان هذا كله يوم سبت، ووضعت الحرب أوزارها، حصادها سبعون شهيداً من المسلمين، واثنان وعشرون هالكاً من الكافرين، قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار.

وبعد أيها المسلمون:

فأحدٌ نصر لا هزيمة، معركة فياضةٌ بالعبر والعظات، أحداثها صفحات ناصعة، يتوارثها الأجيال بعد الأجيال، وأنزل الله فيها ستين آية في كتابه المبين، كان لها أثر عميق في نفس النبي ، ظل يذكره إلى قبيل وفاته.

إن هذا الدين وصل إلينا بعد كفاح مرير من الصحابة والأسلاف، ذاقوا فيه مرارة المصائب والمحن:

أنس بن النضر يصاب في هذه الغزوة ببضع وثمانين جراحة، ثم مثّل به بعدها، فلم يعرفه أحد سوى أخته عرفته بأصبه.

فماذا قدمنا لديننا؟؟ وللصحابة الكرام الصحبة والسبق والإقدام، تقطعت منهم الأشلاء، وتمزقت الأجساد، وترمل النساء، قدموا أرواحهم فداء لهذا الدين، حتى وصل إلينا كاملاً متمّماً
وفي سعد بن الربيع سبعون طعنة.

فماذا قدمنا لديننا؟؟ وللصحابة الكرام الصحبة والسبق والإقدام، تقطعت منهم الأشلاء، وتمزقت الأجساد، وترمل النساء، قدموا أرواحهم فداء لهذا الدين، حتى وصل إلينا كاملاً متمّماً، فأقل ما علينا أنقدر لهؤلاء الرجال قدرهم، ونشكر لهم سعيهم، ونترضى عنهم، فقد أحبهم ربهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وبالمعاصي عباد الله تدور الدوائر و تقع الهزيمة، ففاضت أرواح في تلك الغزوة بسبب خطيئة، وخرج آدم من الجنة بمعصيته، و((دخلت امرأة النار في هرة))(4)[4]، فالزم الطاعة والعبودية، يؤخذ بيدك في المضايق، وتفرج لك الشدائد، ولا تجعل أعمالك جُندا عليك، يزداد بها عدوك قوة عليك.

في هذه المعركة، قاتل سمرة ورافع وهما ابنا خمس عشرة سنة، على دماء فتيان من الصحابة علا هذا الدين، لا لهوٌ في الأوقات، ولا مرح في الشهوات، سعى الآباء لإصلاحهم، فجنوا ثمرة صلاحهم، فماذا قدّم شبابنا لدينهم؟ وما هي همتهم؟ وما همهم؟ وما تطلعاتهم؟ وبم تعلقهم؟ هل همهم حفظ كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، هل أهدافهم التفوق في العلوم النافعة خدمة لأمة الإسلام؟

وبالمعاصي عباد الله تدور الدوائر و تقع الهزيمة، ففاضت أرواح في تلك الغزوة بسبب خطيئة، وخرج آدم من الجنة بمعصيته، ودخلت امرأة النار في هرة
و تجنب عبد الله صحبة السوء، فهم يخذلونك في أحوج ما تكون إليهم، هم في النعماء لك أصدقاء،

ولكنهم في الشدائد أعداء، وقد انخذل أهل النفاق عن الصحابة في أحلك المواقف.

والزم الصحبة الصالحة، فهم حافظون لك في الغيب والشهادة، لنفعك يسعون، وعنك يذودون.

وللحق جولة، وللباطل صولة، والعاقبة للتقوى، فلا تيأس من إصلاح المجتمع، ولا تقنط من هدايته، فصبر النبي على الأذى والجراح، حتى دخل الناس أفواجاً في دين الله، إن عواقب الأمور كلها بيد الله، فامض في الدعوة، وداوم على الدعاء، وهداية البشر بيد خالق البشر.

أبو سفيان في أحد يقود المشركين، وشعاره: "اعلُ هُبل"، وفي فتح مكة صار يقول: "لا إله إلا الله".

ووحشي يقتل حمزة، ثم يسلم ويقتل مدعي النبوة مسيلمة الكذاب.

فاحذر على نفسك التقلب، ((فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء))(5)[5].

واسأله دوماً دوام الثبات، والعبد وإن استغرق في العصيان، فالتوبة تحط الأوزار وإن بلغت العنان.

خالد بن الوليد يقود خيَّالة الكفر، وقتِل على يديه فضلاء الصحابة، ولما شرح الله صدره للإسلام، أتى يبايع النبي ، وقال: يا رسول الله، إني أشترط أن تغفَر زلتي، فقال: ((يا خالد، أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجُبُّ ما قبلها؟!))(6)[6].

فأنقذ نفسك من وحل الأوزار، وأقبل على ربك بعيداً عن الآثام، فالحسنات يذهبن السيئات، ولا تستنكف عن التمسك بهذا الدين، فحوله سالت الدماء.

والمرء قد يبتلى بذوي القربى والأرحام، فاصبر على ما تلاقيه منهم، فأقارب النبي تركوا أوطانهم وأموالهم، وقدموا إلى المدينة لقتل النبي ، وفعلوا ما لم يفعله غالب الكفار، من تمثيلهم بالقتلى، مع أنهم بنو عمه، وفي الفتح عفا عنهم وصفح، وقال: ((أنتم الطلقاء))(7)[7].

فاتخذ النبي قدوة لك في الحلم والعفو، وصل رحمك، وغض الطرف عما يسوؤك منهم.

وفي الفرقة والنزاع تبعثَر الجهود، وفي الألفة والاتفاق صفاء القلوب، فاحذر من تفرق الكلمة والاختلاف في الرأي، فهي الهزيمة، وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ [الأنفال:46].

ولا تأمن المعصية من جانب المسرة، وحلاوة الفرح قد تختلط بمرارة الحزن، والصحابة الكرام رضي الله عنهم فرحوا بالغنيمة، ونزل الرماة لجمعها، فلحقتهم الهزيمة.

والدنيا لا تدوم على حال، فكن صابراً على مصائبها، شاكراً لله في نعمائها.

والأنبياء عبيد مخلوقون، يصيبهم ما يصيب البشر، لا يُرفعون فوق منزلة العبودية، ولا يحَطُّ من شأنهم، والنبي ظاهر بين درعين، ولبس لباس الحرب، وكافح معه الصحابة، وقاتل عنه جبريل وميكائيل أشد القتال، ومع هذا شُجَّ في وجهه، وكسرت أسنانه، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو سبحانه وحده النافع الضار، ولو كان يملك لنفسه شيئاً ما سال الدم منه.

فاصرف عبادتك للجبار، وتذلل بين يدي القهار، تتحقق لك - بإذن الله - المسارّ.

وأحُد لا يتبرَّك بترابه، ولا تلتقَط حصياته، فعنده قتِل سبعون، وبجانبه جرِح الرسول ، ولو كانت تغني شيئاً لما حل المصاب، ففوّض أمرك إلى الله، والجأ إليه في كشف الملمات.

ومن مروآت الأفعال العرفان لمن خدم الدين، ومن جميل الخلال الوفاء للأصحاب، ودماء شهداء أحد بقيت في نفس الرسول إلى السنة التي مات فيها، فصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع لهم(8)[8].

فأجلّ نبلاء هذا الدين، واحفظ ودَّ إخوانك، وارع حق صحبتهم، واحفظ سرهم، يقول أبو سفيان: (ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً، كحب أصحاب محمد محمداً)(9)[9].

الجنة لا تنال إلا على جسر من المشقة والتعب، والطريق طويل شاقّ حافل بالمتاعب والعقبات، وفي الامتحان بالغلبة والانهزام ذلّ وخضوع، يوجب العز والنصر، وهو سبحانه إذا أراد أن يعزَّ عبده كسره أولاً، ومن ثم تكون رفعته على قدر خضوعه وانكساره لله، والله هيَّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحن، فكتب عليهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، لتمحيص السرائر، وكشف الخبايا، فارض بالمحتوم، وسلِّم لأمر الله المقدور، يقول بعض السلف: "لولا المصائب لوردنا الآخرة مفاليس"(10)[1].

والأيام في الحياة دول، لا تبقى على حال، نصر وهزيمة، عزّ وذلّة، سقم وصحة، فقر وغنى.

فاغتنم فيها نعماءك ما تدخره لأخراك، ومن آثر دنياه أضرَّ بدينه ودنياه.

You have no rights to post comments