النصيحة لولاة الأمر

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أيها المسلمون، بعث الله نبينا محمدًا لتقصد قلوبُ الأفراد والجماعة الإلهَ وحده، وشعائر الإسلام تعلوا بِأُلفة واجتماع أفراد المجتمع على هذا الدِّين. بعثه ربه والناس أشد تقاطعًا وتعاديًا، وأكثر اختلافًا وتماديًا، فأتى بأمر روابط أواصر المودّة بين أفراده، ليفردوا خالقهم بالعبادة، وجعل ذلك من أوليات قواعد الدين. يقول عمرو بن عَبَسَة : دخلت على النبي بمكة فقلت له: من أنت؟ قال: ((أنا نبي))، فقلت: وما نبي؟ قال: ((أرسلني الله))، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يُشرك به شيء)) رواه مسلم(1)[1]. ودعا إلى الائتلاف بين المسلمين وحرّم الاختلاف، فقال: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) متفق عليه(2)[2].

ولتبقى القلوب سليمة نهى عن الهجر فوق ثلاث ليال، فقال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) متفق عليه(3)[3].

ولما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، كان من أول أعماله تأليف القلوب على طاعة الله، وأَلَّف بين الأوس والخزرج بعد حروب طاحنة بينهم، فزالت محنهم، وانقطعت عداوتهم، وصاروا بالإسلام إخوانًا متحابّين، وبألفة الدين أعوانًا مُتناصرين، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103]، فكانت تلك نعمة سابغة امتنّ بها على الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلاّلاً فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي!)) متفق عليه(4)[4].

والمجتمع المتآلف ينتصر على أعاديه، ويؤدي الإسلامُ رسالته، وتقوم الشريعة كما أمر الله. ومن القواعد التي استقرت عليها الملة، وجاءت بها الفطرة، ضرورة إقامة والٍ على الرعية يسوس الدنيا بالدين؛ ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فلا دين ينتشر إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة. قال الماوردي رحمه الله: "ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين".

الوالي يحفظ الله به الدين ليكون محروسًا من الخلل، وينفذ الأحكام بين الأخصام، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، ويذبّ عن الحرمات ليأمن الناس في المعاش، يحفظ الحقوق، ويقيم الحدود؛ لتصان محارم الله عن الانتهاك، يرفع راية الدعوة إلى الله، ويظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليذوق الناس حلاوة الدين، به تقام شرائع الملة وأعلام الإسلام.

وعبء أمانة الولاية ثقيل، يعين على حمله النصيحة الصادقة المخلصة من الرعية للراعي، يقول عليه الصلاة والسلام: ((الدين النصيحة))، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)) متفق عليه(5)[5]. قال ابن رجب رحمه الله: "النصيحة لأئمة المسلمين معونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به وتنبيههم برفق ولطف، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأخيار على ذلك"(6)[6].

ونصح الولاة من الأعمال الفاضلة التي يحبها الله ويرتضيها، قال النبي : ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تنصحوا من ولاّه الله أمركم)) رواه أحمد(7)[7].

والنصيحة تكون سرًا بين الناصح الصادق وبين الوالي؛ لتكون أخلص عند الله، وعلى هذا سار السلف الصالح. سُئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ قال: "إن كنت فاعلاً ففيما بينك وبينه"(8)[8]. قال العلماء رحمهم الله: "الواجب مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس"، قال: "أما مخالفة ذلك واعتقاد أنه من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد فإنه غلط فاحش وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نَّور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح وأئمة الدِّين".

وتوقير الولاة مع النصح لهم من الفقه في الدين، يقول سهل بن عبد الله رحمه الله: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين فسدت دنياهم وأخراهم". ونصحهم يكون بتلطّف في العبارة وحكمة ولين. قال ابن القيم رحمه الله: "مخاطبة الرؤساء بالقول الليّن أمرٌ مطلوب شرعًا وعقلاً وعرفًا، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه، وهكذا كان النبي يخاطب رؤساء العشائر والقبائل".أهـ

فقد خاطب  النبي صلى الله عليه و سلم هرقل بعظيم الروم و خاطب كسرى بعظيم الفرس.

و النصيحة لولاة الأمور إذا كانت سرا فلا بد من الرفق و اللين و يدل على ذلك قول الله لموسى و هارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى.

و النصح إذا لم يكن برفق و لين و كان علانية فإنه يضر و لا ينفع و من المعلوم أن أي إنسان كان عنده نقص يحب أن ينصحه غيره برفق و لين و أن يكون ذلك سرا،

و في نصح الولاة سرا إعانة لهم على قبول النصح و تصحيح

أعمالهم أما التشهير بهم فهو حاجز بينهم و بين التوبة و الإصلاح و يعميهم عن قبول الحق .

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه.

و على الرغم من و ضوح طريقة محمد صلى الله عليه و سلم في معاملة الحكام و مناصحتهم فقد انحرف بعض المنتسبين إلى الدعوة عن الصراط السوي و المنهج المحمدي فأقاموا سب الحكام مقام النصيحة، و استبدلوا الستر بالفضيحة،و ظنوا أن الخطيب الشجاع المجاهد هو الذي يتتبع عورات ولي الأمر و ينتقدها أمام الملأ  على المنابر يزيده غرورا تصفيق الجماهير و طربهم بذلك حتى هجر هؤلاء أعظم المهمات و هي الدعوة إلى الله و تعليم الناس دينهم ، و لا تسأل بعد ذلك عن  الفتن و الدماء,

يرضون الناس و الله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ،أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ،

أما الداعية الذي يعلم الناس دينهم و ما ينفعهم فهو عند هؤلاء مغفل لا يفقه الواقع ،أما لو بين حقوق السلطان المسلم و الطرق الشرعية في مناصحته كما أرشد إليها نبينا صلى الله عليه و سلم فتلك الخطيئة الكبرى و صاحبها، تصيبه أقبح الأوصاف و أشنع الألقاب،

و كم من علمائنا الأجلاء من ظلموا بذلك ظلما عظيما، ذنبهم الوحيد أنهم لم يخالفوا منهج المصطفى صلى الله عليه و سلم، رحمة الله عليهم أجمعين.

ومن تمام النصح دعوة صادقة خفية لولي الأمر ابتغاء ثواب الله، وكان الإمام أحمد والفضيل بن عياض رحمهما الله يقولان: "لو كانت لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان".

و يقول سعيد بن اسماعيل((فانصح للسلطان و أكثر له من الدعاء بالصلاح و الرشاد بالقول و العمل و الحكم، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد بصلاحهم و إياك أن تدعوا عليهم باللعنة فيزدادوا شرا و يزداد البلاء على المسلمين و لكن ادع لهم بالتوبة فيتركوا الشر و يزول البلاء عن المؤمنين))أ هـ

وواجب على الرعية مع النصيحة السمع والطاعة له في غير معصية الله، قال ابن رجب رحمه الله: "السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين فيها سعادة الدنيا، و بها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم"(11)[11].

وبالألفة بين الراعي والرعية يظهر الدين، ويهنأ العيش، ويطاع الرب بالعمل بنصوص الشريعة في ذلك، فترتفع منزلة العبد عند الله في الآخرة، وتتحقق له الرفعة.

: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

-------------------------

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ وَعَمَلُهُ تَبَعًا لِأَمْرِهِ فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ وَلَا يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ وَالْكَلَامِ فِيهِ، نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَ بِهِ يَتَكَلَّمُ وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ وَ بِهِ يَسْتَدِلُّ فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَجْعَلُونَ اعْتِمَادَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الرَّسُولِ ؛ بَلْ عَلَى مَا رَأَوْهُ أَوْ ذَاقُوهُ ثُمَّ إنْ وَجَدُوا السُّنَّةَ تُوَافِقُهُ وَإِلَّا لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ فَإِذَا وَجَدُوهَا تُخَالِفُهُ أَعْرَضُوا عَنْهَا تَفْوِيضًا أَوْ حَرَّفُوهَا تَأْوِيلًا . فَهَذَا هُوَ الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ.

قال تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.

You have no rights to post comments