أضرار التدخين

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أيها الإخوة: إن التغذي بالطيبات يكون له أثر حميد في صحة الإنسان وسلوكه لأنها تغذي تغذية طيبة، والتغذي بالخبائث يكون له أثر خبيث في الأبدان والسلوك لأنها تغذي تغذية خبيثة.

ألا وإن من الخبائث التي ابتلي بها مجتمع المسلمين اليوم هذا الدخان الخبيث الذي فشى شربه في الصغار والكبار وصار المدمنون عليه يضايقون به الناس ويؤذون به الأبرياء من غير خجل ولا حياء بحيث أن أحدهم يملأ فمه منه ثم ينفثه في وجوه الحاضرين من غير احترام لهم ولا مبالاة بحقهم، فيخيم على الحاضرين حوله سحابة قاتمة من الدخان الخانق الملوث والرائحة الكريهة ومصدر ذلك كله فم المدخن البذيء لا يراعي لمجالسه حرمة، ولا يفكر في وخيم فعله ولو أن إنسانا تنفس في وجه هذه المدخن أو امتخط أمامه كم يكون تألمه واستنكاره لهذا الفعل وهو يفعل أقبح من ذلك بمجالسه، فنفخ الدخان في وجوه الناس أعظم من ذلك بأضعاف ولكن الأمر كما جاء في الحديث: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).

ومع تنوع أضرار الدخان وآفاته وعدم الفائدة والمنفعة فيه ولو من أبعد الوجوه فقد أكب عليه الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها وأصبح مما يتفكّه به ويتلذذ بشربه وتعبق بأنتانه المجالس والمجتمعات وذلك ما حملني على الكلام  في هذا الموضوع قياما ببعض ما أوجب الله من النصيحة والبيان، ورجاء الانتفاع والتأثر والله ولي التوفيق.

أيها المسلمون: إن شرب الدخان حارق للبدن والدين والمال والمجتمع ومعلوم أن نوعا واحدا من هذه المضار كافٍ وسوف نتكلم عنها واحدة واحدة:

أما ضرره على البدن: فهو يضعفه بوجه عام ويضعف القلب ويسبب مرض سرطان الرئة ومرض السل ومرض السعال في الصدر ويجلب الأمراض الصدرية، ويضعف العقل بحيث يصبح المدخن ذا حماقة ورعونة غالبا، ويسبب صداع الرأس ويقلل شهوة الطعام ويفسد الذوق والمزاج، ويضعف الأعصاب، ويشوه الوجه بحيث تظهر على صاحبه زرقة وصفرة تعم بدنه. ;و الله تعالى يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

و النبي صلى الله عليه و سلم يقول(( لا ضرر و لا ضرار)) أي كل ما يضر بالإنسان إما في نفسه أو ماله فهو محرم.

ولقد ذكر الأطباء السبب في إحداثه لهذه الأمراض ونحوها وهو اشتماله على المادة السامة وهي النيكوتين، بل إن الشركات المصنعة تحذر وتقول: تحذير رسمي التدخين يضر بصحتك ننصحك بالابتعاد عنه بل اصرح بأنه مسبب للسرطان، ومع هذا نجد الإصرار ممن يتعاطونه، ولا تقتصر مضار التدخين على ما ذكر، فقد أظهرت التجارب المجراة على الأرانب المسممة بالنيكوتين تأثر المخ من الدماغ فضلا عن اضطراب العصب ، لذلك يشكو مدمنو التدخين الأرق والقلق والتحسس والكآبة ووهن الإرادة وضعف الذاكرة وقد يظهر عليهم الكسل والخمول والتعب والنصب وغير ذلك من العاهات المصاحبة له.

ولقد أكثر الأطباء والحكماء الكتابة في التدخين، وما ينتج عنه وانتشرت أقوالهم وطبعت مؤلفاتهم وكلها تدندن حول أضراره الصحية للبدن.

وأما ضرره في الدين:

قال تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فذكر الله تعالى من أسباب تحريم الخمر والميسر الصد عن الذكر وعن الصلاة وهذه العلة تتحقق في الدخان فإن شاربه في العادة يهرب عن حلق الذكر والقراءة ويألف اللهو والباطل عادة، وهو غالبا السبب الرئيسي لبعد المدخنين عن حضور المساجد إلا من شاء الله وهكذا سائر العبادات وبالأخص الصيام فإنه أثقل على المدخنين من غيره لأنهم به يحرمون من لذتهم الخبيثة. ومن المعلوم أن الذنوب والمعاصي تُكْسِلُ صاحبها عن العبادة، كما قال رجلٌ للحسن: إني أبيتُ معافى وأحب قيام الليل وأعدّ طهوري فما بالي لا أقوم؟! فقال: ذنوبك قيّدتك. وقال أبو سليمان الداراني: "لا تفوتُ أحدٌ صلاة الجماعة إلا بذنب"؛ لذا فإن المؤمن العاقل يجتهد في البعد عن الذنوب، ويهجر أهل الذنوب والمعاصي، فإن شؤم معصيتهم يبلغه.

 و هو مع هذا يدعوا يدعو متعاطيه إلى مخالطة الأراذل والسفهاء والابتعاد عن الأخيار فهذا يكون سببا لما هو أكبر منه وهو تعاطي المخدرات نسأل الله السلامة.

فمن خطورة السيئة وشؤمها فعل السيئة بعدها، مما هو أعظم منها وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، قال أبو الحسن: "الذنب عقوبة الذنب". وقد بيّن الله عزّ وجل أن سبب كفر بني إسرائيل وقتلهم الأنبياء أنهم اقترفوا المعاصي، قال الله عزّ وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].

فما وقع إنسان في هاوية إدمان المهلكات من المسكرات و المخدرات إلا و يكون قد سبق تعاطيه للتبغ و التدخين، نسأل الله السلامة و العافية.

وأما ضرره في المال:

فاسأل من يتعاطاه كم ينفق فيه من عشرات الدينارات في كل يوم وقد يكون فقيرا ليس عنده قوت يومه وليله ومع هذا فهو يقدّم الدخان على شراء غيره، من الضروريات ولو ركبته الديون الكثيرة ولو فكر هذا المسكين في ما ينفق في هذا السم الخبيث وصرف هذا المال لمستحقيه لإخوانه المنكوبين ليجدوا لقمة يسدون بها رمقهم لكسب بذلك الأجر والمغفرة من الله والمثوبة ولكن من يتذكر ويتعظ؟ ألم يعلم هذا المبذر ماله في الحرام بأنه مسؤول عنه يوم يقف بين يدي خالقه عز و جل؟

قال النبي : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه)).

وأما ضرر شرب الدخان في المجتمع:

فإن شارب الدخان يسيء إلى مجتمعه ويسيء إلى كل من جالسه وصاحبه بحيث ينفخ الدخان في وجوه الناس فيخنق أنفاسهم ويضايقهم برائحته الكريهة حتى يفسد الجو من حولهم وامتد هذا الأذى فصار يلاحق الناس في المكاتب والمتاجر وفي السيارات والطائرات حتى عند أبواب المساجد بل إن بعضهم ما إن يخرج حتى يشعل السيجارة عند باب المسجد، بل إن التدخين يؤذي الملائكة الكرام ففي الصحيحين عن جابر أن النبي قال: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) ، بل إن المدخن جليس سوء و أقرب إلى المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه و سلم في قوله: " مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " . متفق عليه

فنافخ الدخان إما أن يحرق صحتك و يجرك إلى التدخين جرا  إما أن تجد منه ريحا خبيثة وكثيرون ممن ابتلوا بهذه الآفة إن لم نقل كلهم إنما كانت أول سيجارة لهم من رفيق السوء.

 

ومن مضار الدخان الاجتماعية أنه يستنزف ثروة الأمة وينقلها إلى أيدي أعدائها من الشركات التي تصدر هذا الأذى الخبيث.

هذه بعض أضرار التدخين الاجتماعية والبدنية والدينية والمالية فهل يستطيع المدخنون أن يذكروا لنا فائدة واحدة أو بعض فائدة في شرب الدخان تقابل هذه المضار؟ فيا أسفاه كيف غابت عقولهم وسفهت أحلامهم وضاقت صدورهم من قبول الحق، بل إن التدخين ليس له حسنة واحدة يمكن أن تقال فيه، بل على العكس فكله مضار كما ذكرنا والتدخين في الحقيقة هو سفه ودناءة ولو رأى أحدنا إماما أو واعظا أو رجلا من أهل القدر والرفعة يشرب الدخان لاستنكر هذا الفعل ولشهّر به في المجالس ويقول منتقدا: رأيت الشيخ فلان يشرب الدخان وما ذاك إلا لأنه ليس من مقام المروءة ومكارم الأخلاق، ومن رأى مجالس المدخنين ومن يرتادها ومجالس الصالحين ومن يحضرها لعرف الفرق.

ومن أهم أسباب انتشار التدخين:

أولا: وسوسة الشيطان.

ثانيا: رفقاء السوء.

رابعا: الآباء والمربون وخاصة إذا كانوا يتعاطون الدخان فإنهم يؤثرون فيمن يربونهم ولابد.

وأخيرا فما هو حكم التدخين أو الدخان.

ولعلك أيها المسلم بتحكيم عقلك وتفكيرك في شيء اتصف بالضرر على الدين والبدن والمال وتعدّى ضرره إلى الغير وعدمت فيه المنفعة أصلا لا تتوقف في تحريمه قبل أن تسمع النصوص النقلية ولكن لتقوية مدلول العقل تحقق أن الشرع قد نص على التحريم إجمالا وتفصيلا ولا شك أن الشرع هو الدليل القاطع في مسألة النزاع وبهذه النظرة العامة يتضح أن استعمال التدخين محرم وممنوع شرعا ولا يباح بحال من الأحوال وأما كلام العلماء وقولهم بالتحريم وأدلتهم فأكثر من أن تحصره .

وفي الختام أعتذر إليكم أيها المدخنون إذا قسوت عليكم فما أردت إلا تخليصكم من عدو عنيد قد تسلط عليكم وفتك بكم وأبعدكم عن الخير وأهله وقربكم من الشر وأهله.

فيا من ابتليت بشرب الدخان أسأل الله لنا ولك العافية إنني أدعوك بدافع النصيحة الخالصة أن تبادر بالتوبة منه وأن تتركه طاعة لربك وحفاظا على صحتك، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ثم لا تنسى أيها المدخن أنك ستكون قدوة سيئة لأولادك إن كنت والدا ولتلاميذك إن كنت مدرسا ولأصحابك ومخالطيك فتكون قد جنيت على نفسك وغيرك وإذا تركته وتبت منه صرت قدوة حسنة لغيرك فكن قدوة في الخير ولا تكن قدوة في الشر.

والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولا يحملنك التقليد الأعمى والمجاملة الخادعة أن تتعاطى هذا الدخان وقد عافاك الله منه أو تستمر فيه وقد عرفت أضراره وأمامك باب التوبة مفتوح فبادر قبل أن يغلق.

وأحب أن أنبه إلى أن الشمة تأخذ نفس الحكم في الحرمة لمن يتعاطاها فلا يجوز استهلاكها ولا اقتناؤها بالمنزل ولا بيعها الجلوس والله أعلم.

_________

الخطبة الثانية

_________

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه أما بعد:

أيها المسلمون: وكما يحرم شرب الدخان يحرم بيعه والاتجار به واستيراده فثمنه سحت والاتجار به مقت وقد قال : ((إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) رواه الإمام أحمد وأبو داود وهو صحيح، وعلى هذا فالاتجار به لا يجوز وثمنه يحرم أكله كثمن الخمر ومن تاجر فيه أي باعه بعد معرفته بالتحريم ففيه شبه من اليهود؛ لما حرمت عليهم الشحوم إذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها فاستحقوا اللعن على هذا الفعل، فالذي يبيع هذا الدخان قد ارتكب جريمتين عظيمتين:

الأولى: أنه عمل على ترويجه بين المسلمين فجلب إليهم مادة فساد.وهذا تعاون على الإثم و العدوان: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

الثانية: أن بائع الدخان يأكل من ثمنه مالا حراما ويجمع ثروة محرمة، فالحرام لا يدوم وإن دام لا ينفع  و لا بركة فيه

 

2760 - [ 2 ] ( صحيح )

 وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا )

 وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم )

 ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟ " . رواه مسلم.فاتقوا الله عباد الله وانظروا في العواقب فإن في الحلال غنية عن الحرام وقد وردفي الحديث عنه قوله: ((إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا يطلب إلا بطاعته)).

You have no rights to post comments