الغيبة وما يباح منها

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

أيها الإخوة المؤمنون، كان حديثنا عن الغيبة وما جاء فيها من نصوص شرعية، التي تقشعر منها أبدان المؤمنين؛ ذلك أنه قد ورد عن النبي في شأن الغيبة أحاديث تجعل المؤمن الذي يرجو الله والدار الآخرة يراجع نفسه ويحاسبها، روى الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : ((الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربا الربا عرض الرجل المسلم)) أشد من الربا عرض الرجل المسلم.

فإلى متى يستمر المسلم في هذه الآفة المهلكة التي لا يدري كيف يلقى الله تبارك وتعالى وهو عليها.

وها نحن اليوم نواصل الحديث عن هذا المرض المتفشي، الذي يحتاج إلى استئصال ويحتاج إلى مناصحة، فها نحن ـ أيها الإخوة ـ نواصل الحديث عن هذا المرض الخطير، مرض الغيبة. فما حكم سماع الغيبة؟

نحن ـ أيها الإخوة ـ ربما تورعنا عن الحديث، لكن هل نتورع عن السماع؟! وكيف يكون موقفنا إذا سمعنا الغيبة؟!

حكم سماع الغيبة مع عدم الإنكار أو القيام من المجلس: ذكر العلماء رحمهم الله أنه مشاركة في الإثم.

يقول النووي رحمه الله: "اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها، يحرم على السامع استماعها وإقرارها، والله تعالى يقول في صفات المؤمنين: وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ [القصص:55]، ويقول جل جلاله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

و عن أنس قال: كانت العرب يخدم بعضها بعضًا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجلٌ يخدمهما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا، ـ الأصل أن يكون الخادم قد استيقظ وهيأ الطعام لمن يخدمه، لكن هذا الرجل لم يصنع ـ قام أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يجداه قد استيقظ، فقال أحدهما لصاحبه: (إن هذا ليوائم نوم بيتكم) يعني قالوا: كأن هذا الرجل نائم في البيت لم يعد لنا شيئًا فكأنه نائم في البيت (إن هذا ليوائم نوم بيتكم) فأيقظاه فقالا: إئت رسول الله فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، ـ يطلبان الإذن ليأكلا ـ فقال رسول الله : ((قد ائتداما)) ففزع أبي بكر وعمر رضي الله عنها فجاءا إلى رسول الله فقالا: يا رسول الله، بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: ((قد ائتداما)) فبأي شيء ائتدمنا؟ قال : ((بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إن لأرى لحمه بين أنيابكما)) وفي رواية قال: ((إني أرى لحمه في ثناياكما)) فقالا ـ أي أبو بكر وعمر ـ فاستغفر لنا يا رسول الله، قال: ((هو فليستغفر لكما)) حديث صحيح.

 وكذلك قصة الأنصاريين قال أحدهما عن المرجوم التائب إلى ربه عز: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب،، وكان الآخر مجرد مستمع، ومع ذلك قال لهما النبي لما مر بجيفة حمار شائل برجله، قال: ((كلا من جيفة هذا الحمار)) فقالا يا رسول الله: غفر الله لك من يأكل من هذا! فقال رسول الله : ((ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفًا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها)) رواه ابن حبان، وهو حديث صحيح.

مع هذه النصوص الواضحة فإننا نجد اليوم، نجد أننا ربما سمعنا الغيبة، وربما كان بعضنا يجلس مع المغتابين، مع حسن إصغاء للمغتاب، بل إن بعضنا يستمتع ويتلذذ بسماعها ويشتاق لذلك الذي يفري في أعراض المسلمين.

ماذا يقول المسلم بعد هذه النصوص؟ لعله يدور في ذهنك أخي المسلم تساؤل فتقول: لعلي أعتزل الناس، لعلي لا أخالط أحدًا أبدًا حتى أسلم من قول الغيبة ومن استماعها، فنقول لك: لا، ولكن اعرف طريق النجاة ثم اسلكه وجاهد نفسك، والله جل وعلا يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

فالانزواء والعزلة ليسا حلاً شرعيًا لترك الغيبة.

فأين نحن اليوم من الموقف الشرعي الذي يوجب علينا رد الغيبة ووعظ المغتاب قدر الإمكان، يقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

قال النووي رحمه الله: "اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام فارق ذلك المجلس" ا.هـ.

اعلم أخي المسلم أن من الأعمال الصالحة نصر المسلم في غيبته، نصر المسلم في غيبته ورد الغيبة عنه، فعن أبي الدرداء أن رسول الله قال: ((من رد عن عرض أخيه كان له حجاب من النار)) رواه البيهقي وهو حديث صحيح.

اعلموا ـ أيها الإخوة ـ أن الغيبة علامة على جبن المغتاب؛ لأنه لا يستطيع المواجهة بالنصيحة، ولو كان شجاعًا لنصح أخاه فيما بينه و بينه، ولهذا فإنه يجب أن يعلم أن من مساوئ الغيبة أنها تعطل كثيرًا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لأنه كلما أخطأ أحد أو فعل منكرًا ظاهرًا اكتفى المسلمون بغيبته, فزاد الذنب ذنبًا والخطيئة خطيئة.

أيها الإخوة في الله،وهناك بعض الأمور يظن بعض المسلمين هداهم الله أنها ليست غيبة، وهي غيبة، فمن ذلك مثلاً: أنه قد يقع أحدنا في غيبة مسلم فإذا قيل له في ذلك، وقيل له: اتق الله، قال: أنا مستعد أن أقول هذا في وجهه، بل ربما قال: قد قلت له في وجهه مثل هذا، وهذا لا يجعل الغيبة حلالا، بل هي غيبة سواء كنت مستطيعًا أن تواجهه أم لا، ثم إنه ما دام المسلم قادراً على المواجهة فما الداعي إذاً للغيبة؟! لماذا لا توجه لأخيك الإرشاد لكنه الشيطان يزين الباطل لأهله.

ومن ذلك أيضًا: قول بعضهم عندما يُذكر عنده أحد، يُذكر زيد أو عمرو، فيقول مثلاً: الحمد لله الذي هدانا، أو يقول: نسأل الله العافية، أو يقول: اللهم لا تبتلينا، هذه غيبة واضحة فهو يريد أن المذكور فيه عيب أو سوء بالإضافة إلى أنها إشارة إلى مدح النفس وتزكيتها.

ومن ذلك أيضًا: أن بعض المغتابين ربما ظن نفسه ذكيًا وهو في الحقيقة مخادع لنفسه حين يقول مثلاً: بعض الناس فيهم كذا، و يظن أنها ليست غيبة لأنه لم يسمي الرجل لكنه يذكره بصفات معروف بها، فمثلاً يقول بعض الجيران الذين يسكنون قريبًا منا يفعلون كذا وكذا، أبوهم الذي يعمل بكذا وكذا، فهو قد وصفه وصفا دقيقا كأنه صرح بالاسم.

هذا أيها الإخوة، إن هذه غيبة ولو حاول صاحبها التحايل في العبارة. ألم يعلم أن الله يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور.

ومن الغيبة المنتشرة اليوم مع الأسف الشديد قول البعض: هذا من القرية،و هذا مسكين، أو ينسبه إلى بلد معين على وجه التنقص، أو يقول مثلاً: هذا لا نلومه  لأنه من بلد معين، أو من عائلة معينة، أو يعمل صنعة معينة مما يمتهنه الناس، هذا والله كله من الغيبة.

ومن ذلك أيضًا: ما يفعله بعضهم من الغيبة بغير الكلام، كإخراج اللسان مثلاً، أو تحريك الشفه أو الفم أو نفض اليد، أو تحريكها بشكل يدل على التنقص، والله عز وجل يقول: وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة:1].

أيها الإخوة المؤمنون، إن خطر الغيبة ليس فقط في ما سمعتم من الوعيد في الآخرة، وإن كان هذا كافيًا في الزجر عنها، وعن كل ما يقرب إليها، ولكن اعلموا أن الغيبة من أعظم أسباب العداوات بين المسلمين، فكم من رجل طلق زوجته بسبب الغيبة، وكم من إخوة أشقاء تدابروا، وتقاطعوا، وتهاجروا سنوات عديدة، ربما مات أحدهم وهو لا يكلم الآخر، كل ذلك بسبب الغيبة، وكم قطعت أرحام، وكم أفسدت الجيرة، وكم حصلت المصائب، كل ذلك والله بسبب الغيبة.

فلنتق الله عز وجل في ألسنتنا، كان السلف الصالح قدوة صالحة في ترك الغيبة؛ لأنه ربما يقول أحد: إنني لا أستطيع ترك الغيبة، هذا مستحيل، نقول: اسمع إلى بعض سلفك الصالح الذين حال دعاة الفساد بينك وبين أن تقتدي بهم، كان السلف الصالح قدوة صالحة في ترك الغيبة والبعد عنها.

قال بعضهم: "أدركت السلف لا يرون العبادة في الصوم، ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس".

وذكر رجلٌ رجلاً آخر بسوء أمام صاحبه، فقال له: هل غزوت الروم؟! قال: لا، قال: هل غزوت الترك؟ قال: لا، ـ والمقصود بالترك هنا، ليس الأتراك المعاصرين، المقصود بالترك في ذلك العصر هم الكفار ممن ينتسبون إلى الترك ـ قال: سلم منك الروم، وسلم منك الترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم. تربية عملية لترك الغيبة.

فهؤلاء هم الذين جاهدوا أنفسهم لتركها، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم العمل بما نعلم، إنه على كل شيء قدير.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

------------------------

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الحق المبين، هو ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد, فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن من حكمة الله البالغة أن أباح الغيبة في بعض المواطن التي بينها رسول الهدى صلى الله عليه و سلم لما يحققه ذلك من الصالح الراجحة لكن يجب أن نعلم أن إباحة الغيبة إنما هي للضرورة، فإباحتها مثل إباحة الخنزير عند الضرورة فلا تتجاوز فيه القدر الذي أذن فيه الشارع  لأن الهوى والشهوة تدخل في هذا الباب كثيرًا كما يحصل عند البعض من التوسع في الغيبة بدون ضرورة أو حاجة شرعية، فمن صورة إباحة الغيبة :

 أولاها رفع المظلومين قضاياهم للسلطان وولي الأمر والقاضي، ، فيتكلم المظلوم عن من ظلمه حتى ينال حقه ودليل الجواز فقد ثبت في سنن أبي داود، عن أبي هريرة قال : قال رجل يا رسول الله ! إن لي جاراً يؤذيني، فقال: "انطلق. فأخرج متاعك إلى الطريق". فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ قال : لي جار يؤذيني، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " انطلق. فاخرج متاعك إلى الطريق" فجعلوا يقولون : اللهم! العنه، اللهمّ! أخزه، فبلغه، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله ! لا أوذيك.

 الصورة الثانية: التعريف، كأن يكون الإنسان معروفًا بلقب معين، لا يعرف إلا به كالأعرج والأعمى، ونحو ذلك، ولكن لا يحل أبدًا ذكر هذا الوصف على سبيل التحقير و التنقص، وبشرط أن يكون المذكور المعرف ـ لا مانع لديه، وهذا هو الغالب؛ فإن الأعمى مثلاً لا يغضب إذا ذكرت صفته من أجل التعريف، والأفضل دائمًا تعريفه بغير ذلك ما أمكن، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أُسير بن جابر أن أهل الكوفة وفدوا على عمر فذكر القصة حتى قال: فقال عمر إن رسول الله قد قال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض)) يعني برص، فذكر الحديث، والشاهد منه واضح، فقد عرَّفه النبي بأن فيه برصًا.

أما الصورة الثالثة من صور إباحة الغيبة فهي التحذير ممن يخشى ضرره، فتجوز الغيبة إذا لزم الأمر والتحذير من المغتاب، وإذا لم يمكن التحذير منه إلا بغيبته، ومن ذلك التحذير من أهل البدع ومن أهل الفساد والفجور الذين يفسدون في دين الله،هذا دفاعا عن الإسلام و حماية للمسلمين من ضلالهم و انحرافهم.

أما الصورة الرابعة: فهي صورة طلب الفتوى أو الاستشارة: فقد ثبت في الصحيحين أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي فقلت: إن أبا جهم ومعاوية خطباني رضي الله عنهما فقال رسول الله : ((أما معاوية فصعلوك)) يعني فقير لا يلتفت إليه، ((وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)) وفي رواية مسلم: ((وأما أبو جهم فضراب للنساء)) فهذه المرأة استشارت واستنصحت، فعرَّفت الذين خطباها فقال النبي ما قال، قال: ((صعلوك)) وهذا ضراب للنساء، وهذا من باب النصيحة ومن باب الإشارة لمن استشارك. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ((إن المستشار مؤتمن))

الصورة الخامسة: من طلب الإعانة في إزالة منكر؛ لأن تغيير المنكر واجب ولا يجوز السكوت عنه، فإذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بذكر المسلم بما فيه عند من له السلطة عليه فلا حرج إذن إن شاء الله.

وأخيرًا أيها الإخوة، المسارعة المسارعة في التوبة إلى الله مما مضى، والمعاهدة الصادقة في المستقبل بترك هذا الذنب العظيم، واعلموا ـ أيها الإخوة ـ أن مجاهدة النفس في ترك الغيبة من أعظم الجهاد.

علمًا بأن بعض العلماء يرى أنه لا بد من طلب العفو من الذين اغتبتهم، إذا علموا بأنك قد تكلمت فيهم،وإذا لم يكن قد بلغهم كلامك فيهم فقد قال بعض أهل العلم: إنه يكفي أن تستغفر لهم وأن تدعو لهم وأن تذكرهم بخير في المجالس التي ذكرتهم فيها بشر،حتى لا يعاد إحياء العداوات فهذا هو ما ذكره أهل العلم حول التوبة. نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا خطايانا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ...

You have no rights to post comments