حب الوطن

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه له الحمد في الآخرة والأولى،

يا ربِّ حمدًا ليس غيرك يُحمدُ           يا مَن له كل الخلائق تصمدُ

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد غوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والنجوى، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده المصطفى ورسوله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله الشرفاء وصحبه النجباء، والتابعين أولي النهى، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:

فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فإنها وصيّةٌ لي ولكم جامعة، وموعِظة لأولي الألباب موقِظة نافِعة، وأحثّكم على اغتنامِها فإنَّ الأوقات سيوفٌ قاطِعة، والمنايا سِهامٌ في كلِّ آنٍ واقعة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102].

أيّها المؤمنون، في عالَمٍ تسوده الأوضاع المضطَرِبة وفي زمنٍ تعصِف به الأحوال الملتَهِبة يحتاج النّاسُ مع ثباتهم على ثوابِتِهم إلى مِظلَّة آمنَة تحمي تلك الثوابتَ وبيئةٍ صالحة ترعَى الأصول والمبادِئ، وهل يُرَى الغريبُ المتنقِّل قادرًا على بناءِ مقدَّراتٍ وإنماءِ مكتسبات، فضلاً عن تحقيقِ أمجاد وصُنع حضارات؟!

ما مِن غريبٍ وإن أبدى تجلُّدَه           إلا سيذكرُ بعدَ الغُربَة الوطنَا

إخوةَ الإسلام، المتأمِّلُ في تأريخِ الأمَم والمجتمعات وأحوالِ الشّعوب والحضارات يجِد أنها لم تكن لتقدِّمَ حضاراتها للعالَم إلاّ من خِلال بلادٍ وكياناتٍ نمت وترعرَعَت فيها تلك المثُلُ والمبادئ، وأرضٍ وديارٍ انطلقت منها تلك القِيَم والثوابت؛ إذ لا قيمةَ للمرء فضلاً عن حضارةٍ إلا بوطنٍ يؤويهِ وبلادٍ تحتَويه، ولذلك فقد جُبِلت النّفوس السّليمَة على حُبِّ بلادِها، واستقرَّت الفِطر المستقيمة على النّزوع إلى ديارِها.

حسبُ الغريب من الدّنيا ندامَتُه  عَضُّ الأنامِل من شَوقٍ إلى الوَطَن

بل إنَّ الطيورَ لتحنّ إلى أوكارِها، والبهائمَ العجماواتِ لتحافِظ على زرائبِها، غريزةً وجبِلَّة وفطرةً، فسبحان الذي أعطَى كلَّ شيءٍ خَلقَه ثمّ هدى.

معاشِرَ المسلمين، وهذا الأمرُ الفطريّ جاءت الشريعة الغرّاء بتقريره والعناية به بل والمحافظةِ عليه، يقول الله عزّ وجلّ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ[النساء:66]، فجعل سبحانَه الإخراجَ مِن الدّيار بإزاءِ القتل، وهو بمفهومِه أنَّ الإبقاءَ في الديار عديلُ الحياةِ، ويقول سبحانه: وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا[البقرة:246]، ويقول تقدَّست أسماؤه: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا[الحشر:3]، فقرن سبحانه القتلَ بالجلاءِ عن الدّيار، وهذا رسول الله  يُعلِن عن حُبِّه لوطَنِه مكّة، وهو يغادِرها مهاجرًا إلى المدينة فيقول وهو واقفٌ بالحَزوَرَة: ((والله، إنّكِ لأحَبّ البقاعِ إلى الله وأحبّ البقاع إليَّ، ولولا أني أُخرِجتُ منك ما خَرَجتُ)) خرّجه الإمام أحمد وأهل السنن، ويُؤثر عن عمَرَ رضي الله عنه قوله: (لولا حبُّ الوَطَن لخرِب بلدُ السّوء)، وكان يُقال: بحُبِّ الأوطان عُمِرت البلدان، ويقول حكيم: يتروَّح العليل بنسيمِ أرضه كما تتروَّح الأرض الجدبة ببَلِّ المطَر، ومن الحِكَم السّيّارة: حبُّ الوطَن مِن الإيمان، نعمتان مجحودتان: الأمنُ في الأوطان والصّحّة في الأبدان، غيرَ أنه لم يصحّ رفعهما إلى النبيّ ، ويقول إبراهيم بن أدهَم: "ما قاسَيتُ فيما تركتُ من الدّنيا أشدّ عليَّ من مفارقة الأوطان".

سلِّم على قَطَنٍ إن كنتَ تألَفه    سلامَ مَن كان يهوَى مرّةً قطَنًا

ومِن روائِع الحِكَم قولُ بعضهم: أحقُّ البلدان بنزاعِك إليها بلدٌ أمصَّك حَلبَ رِضاعه، وقيل: احفَظ أرضًا أرسَخَك رِضاعها وأصلَحَك غذاؤها، وارعَ حِمًى اكتَنَفك فِناؤه وروَّحَك هواؤه، وقيل: مِن علامة الرُّشد أن تكونَ النفوس إلى أوطانها مشتاقةً وإلى مولِدِها توّاقة، وقيل لبعض الحكماء: ما الغِبطة؟ قال: الكفايةُ ولزوم الأوطانِ والجلوس مع الإخوان، قيل: فما الذّلَّة؟ قال: النزوحُ عن الأوطانِ والتنقّلُ بين البلدان.

وللأوطانِ في دَمِ كلِّ حرٍّ        يدٌّ سَلَفت ودَينٌ مستَحَقّ

وإذا كان هذا المعنى في كلِّ الديار والبلدانِ فما بالُكم بغُرَّة جبينِ الأوطان وعِقد جيدِ البلدان وقرّةِ عيون الزمان والمكان بلدِ التوحيد والعقيدةِ ومَهدِ السنة والرِّسالة وموئلِ القرآن ومأرِز الإيمان وأرضِ الحرمين وقِبلة جميع أهل الجَحفَلين؟!

هنـا بمكّةَ آيُ الله قد نزلـت           هنـا تربَّى رسولُ الله خيرُ نبيّ

هنا الصّحابَةُ عاشوا يصنَعون لنا        مجدًا تليدًا على الأيّام لم يشِبِ

ولي وطَنٌ آلَيتُ أن لا أبـيعَه           وأن لا أرَى غيري له الدّهرَ مالكًا

إني أرى هذِي البلادَ وأهلَهـا           عِقدًا ثمـيـنًا لا يُنال بسـوءِ ظنّ

أرضٌ لها في المكرُمات عراقَةٌ          مشهـودَة والمجـدُ فيـها مختَزَن

رسَم الإمامان الطريقَ فَعَلَمُهـا         يمحو الضّلال وسيفُها يمحو الفِتَن

غير أنَّ ذلك كلَّه ينبغي أن لا يحمِلَ المحبَّ ـ لا زال مكلوءًا بالرّعاية والتوفيق ـ أن يَسوءَ ظنّه أو ينِدَّ فهمُه عن المقاصِدِ الشرعيّة في هذه القضيّة، فلا يحمِلها على عصبِيّةٍ للتراب والطين على حساب العقيدة والدّين، ولا يحمِّلها لوازِمَ لا تلزَم من نظرةٍ عصبيّة وشعارات جاهليّة وغمطٍ لأخوّة العقيدةِ الإسلامية العالميّة التي تتسَامى عن الحدودِ الجغرافيّة والنظراتِ الإقليميّة معاذَ الله، فلا تنافيَ بين هذا وذاك، وهل المسجِد الأقصى يُقصَى ويُستَقصى؟! وهل تنسَى فلسطينُنا الصامِدة وقُدسُنا المقدَّسة وبِلادُ الرافدين الجريحة وغيرُها؟! حاشا وكلاّ.

وأينما ذُكِر اسـمُ الله في بـلدٍ           عَدَدتُ أرجاءَه من صُلبِ أوطاني

فلا تضِق ذَرعًا بما ثبت شرعًا، ودعني من بُنَيّات الطريق.

وأمّا إن ألقَاك فهمُك في مهاوٍ            فلَيتَك ثـمّ ليـتَك مـا فهِمـتَ

أمّةَ الإسلام، ما أحوجَ الأمّةَ اليومَ وقد أحاطَت بها الفِتَن وحلّت بها المحَن أن تعِيَ خطورةَ ما تمرّ به أوطانها، فيحمِلها ذلك على الأخذ بعوامِل عمرانها والتمكينِ لها والحذَر من أسباب عَطَبها، وما عُمِرت الأوطان ـ يا رعاكم الله ـ بمثلِ رَفرَفة رايةِ العقيدة الإسلاميّة السلفيّة الصحيحة على جَنَباتها وتحكيمِ الشريعةِ على أرضها وأهلِها، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ[الأعراف:96]، والتّلاحمِ الوثيق بين رعيّتها ورُعاتها، وإعلاءِ صروح الدّعوة وكياناتها وشأنِ الحسبة ورجالاتها كما قال سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[الحج:41]، ورَفع عَلَم القِيَم والفضائل، وإقصاء المخالَفَات والرّذائل، فإنَّ الذنوبَ والمعاصي تقضّ المضاجِعَ وتَدَع الديارَ بلاقع، وتحقيقِ وَحدة أبنائها، وغَرسِ الانتماء الحقيقيّ لها في نفوسهم، والحِفاظِ على سفينَتِها كيلاَ تَغرق بين طرفٍ يريد أن يجرَّها إلى دوّامةٍ مِن أعمال العُنف والتّخريب وآخر يمَّمَ وجهَه قِبَل خصومِها، فعَبَّ من ثقافتهم عبًّا، فسطَّر بالأقلام وبثَّ في بعض وسائل الإعلامِ فِكرًا منهزِمًا يطعَن في ثوابت البلادِ وقِيَمها ويُغفِل خصائِصَها ومميّزاتها، ولا يستشعِرها شعورًا يمتزِج بلَحمِه ودمِه وتنطلِق منه آمالُه وتطلُّعاته. وبين هذا وذاك تضيع المواطنةُ الصّالحة التي ينشدُها كلُّ غيورٍ على بلادِه ومجتَمَعه؛ إذِ المواطنة الصالحة ليست كلماتٍ تُردَّد ولا شعاراتٍ ترفَع، وإنما إخلاصٌ وتفاعل وإيجابيّات وشفافيّة ومصداقيَّات، لا تقبَل التلوّن، ولا ترضى بالسّلبيّات، ولا تُصغِي للأكاذيب والشّائعات، ولا تلوِي على الملاسنَة والمهاتَرات، ولا تخضَع للمسَاوَمات والمزايَدات.

إخوَةَ العقيدة، وحينما تتسارَع عجلَةُ المستجدّات وتعيش الأمّة بين الثوابتِ والمتغيِّرات فإنها واجِدةٌ في شريعَتِنا الغرّاء التي لا تعرِف الانعزاليّة والانغلاق والتَّقَوقُع والجمودَ كلَّ إيجابيّة وتفاعلٍ في حُسنِ تعامُل مع المتغيّرات بميزانِ الكتاب والسنة، استشرافًا للنُّقلَةِ الحضاريّة على ضوءِ الضوابط الشرعيّة والمقاصد المرعيّة، تحقيقًا للمصالح العُليا للأمّة والمقاصِدِ والأولويّات العظمى في هذه الملّة، وتجاوزًا لمرحلَةِ الأزماتِ، وفِقهًا لأبعادِ التّحدّيات، وهل حقِّقَتِ المصالح ودُرِئت المفاسد وحُفِظت الضرورات الخمس في الدين والنّفس والعقل والمال والعِرض إلاّ بتوفّر الأمن والأمان في الدّيار والأوطان؟!

معاشرَ المسلمين، إنَّ مِن حقِّ أوطاننا علينا أن نكونَ لتحقيق مصالِحها سعاةً، ولدَرء المفاسد عنها دُعاة، ولأمنِها ورخائها واستقرارِها حُماة، ولوحدةِ شرائِحِها وأطيافِها رُعاة، وإذا دعا داعِي الإصلاح ونادَى منادي السّعي في مراقي التألُّق والنّجاح في وثبةٍ حضاريّة ونُقلةٍ نوعيّة ومنظومَة إصلاحيّة فيما فيه تحقيقُ مصالح المجتَمَع العظمى فحيّهلاً دونَ تراجُع وتَعَثّر أو تَوانٍ وتقهقُر، منطلقين من الركائز الشرعيّة التي تنظِّم أمورَ البلاد وتنتَظِم مصالح العبادِ في أمور المعاشِ والمعاد، وهي من صميمِ المنطلَقَات الشوريّة المصطَفَويّة قبل أن يعرِفَ العالم شِعارات الديمقراطيّة العصريّة؛ إذ الإصلاحُ وجهٌ من وجوه حكمةِ بَعثِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يقول تعالى على لسانِ شعيبٍ عليه السلام: إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ[هود:88].

والذين يتوجَّهون شَطرَ الإصلاح المعتَبَر ويحملون لواءَه هم رجالٌ بَرَرة بالأمة، يسلِمونها إلى ساحات الخير والقوّة، ولا يقود هذه الركابَ إلاّ مَن هو كبير الهمّةِ مضّاء العزيمة، وسيكون الإصلاحُ مَغنمًا إذا انطلَقنَا فيه من إصلاحِ النّفس والنظر في عيوبها وتهذيبِها، وسيكون للعَليَاء مَرقاةً إذا بَسطنا ظِلاله على الأمّة بما تقتضيه الحِكمة والمصلحةُ من التدرّج والرِّفق والأناة.

ولما كانت الأهواءُ تجمَح والمدارك تختلِف وتطمَح كان لِزامًا اعتبارُ صلاحِ المصلِح وصفاءُ منهَجِه واستقامة آرائه؛ إذ لا يشفَع في هذه القضيّة الجُلَّى مجرَّدُ حُسن النّيّة وحُبّ الخير ـ على أنهما محمَدَتان ـ مع ضحالةِ العِلم وقصورِ الترجيح بين المفاسِدِ والمصالح والثّوابت والمتغيِّرات، وبهذا تتَفَتَّق أكمامُ الإصلاح على قولِ الحقِّ سبحانه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ[هود:117].

ويؤكَّد هنا على التحذيرِ مِن الجانب المزعومِ للإصلاح الذي يركبُ مطيّتَه بعضُ المزايدين على الشريعةِ وذوي المغامَرات الطائِشة والأطروحات المثيرة المتَّسمة بالمخالَفات الشّهيرة واللاهثِين وراءَ موجةِ حبِّ الظهور والشّهرة، وقد أوضحَ لنا القرآنُ الكريم ذلك غايةَ الإيضاح في جانبِ قومٍ لا خَلاقَ لهم من المنافقينَ بقوله سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ[البقرة:11، 12].

إخوةَ الإيمان، ومِن أهمِّ ركائز الإصلاحِ وضوابِطه ـ يا رعاكم الله ـ الإخلاصُ لله ومراقبَته، فبالإخلاص يُرسَم طريق الخيرِ والخَلاص، مجانبَةً لمن لا يوثَق بإخلاصِه لله ثم لدينِه وولاةِ أمرِه وبِلاده، ولا يتحرَّى موافقةَ الشّريعة في جميع تصرّفاته وأعمالِه وأحواله، ومنها اليقينُ بأن السّعيَ في مواردِ الإصلاح أمانةٌ ومسؤوليّة أمام الله سبحانه، ثم هي مَسؤولية أمامَ المجتمع، فهلاَّ تذكَّرنا واستشعرنا أنها من المسؤوليّات والأماناتِ التي عظّم الله شأنها بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[النساء:58]، فهل بعدَ هذا يسوغ إطلاقُ دعاوَى الإصلاح لمجرَّد مطامِعَ شخصيّة أو مصالح مادّيّة أو غَرضٍ أو عَرضٍ أو هَوى أو لمجرَّدِ انتماءاتٍ فكريّة وحزبيّة ونحوها؟! فإنَّ ذلك مِن أوجهِ الخيانةِ لله ثم لولاةِ الأمر وللمجتمَع بأسره، والله عزّ وجلّ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[الأنفال:27].

وممّا تجدر ملاحظتُه أنَّ المقياسَ في صدقِ أدعياء الإصلاح يرجِع إلى الكفاءةِ في الدين والأمانة، وقد قال إمامُ الحرمَين رحمه الله: مَن لا يوثَق به في باقةِ بَقل كيف يُرَى أهلاً للأمانة؟! ومَن لم يتَّقِ الله لم تؤمَن غوائِلُه، ومَن لم يصُن نفسَه لم تنفَعه فضائله.

ومِن ركائز الإصلاحِ المهمَّة الشورَى لأهل العدالة والعِلم والرّأي والحِكمة وذوي النوايَا الصّادقة والحِجَى الرّاجِحة والمعارِف النّافعة والنُّهَى السّديدة الرّاشِدة والنزاهة ونظافة القَلب واليَد واللِّسان، في معتقدٍ صحيح ومَنهَج سليم وخُلُق كريمٍ وأسلوب قويم والحَذَر من اتِّباع الأهواء والانسياق وراءَ العواطف والرَّغبات، حِفاظًا على المجتَمَع أن يدخلَه النقص ويتطرَّقَ إليه الخلَل بأيِّ وجهٍ مِن الوُجوه، فهذا لا يليق بالمسلِم ولا ينبغي أن يؤثِّرَ على أخلاقيَّات وثوابت المجتمَع الذي تتعيَّن المحافظةُ عليه وعدَم التغرير بأفرادِه، ممّا يُربَأ بالمسلِم عن الوقوع فيه والانزلاقِ في هوّتِه، فهل من حقِّ مجتمعٍ نشأتَ فيه وترَعرَعتَ بين جنباته وارتَضَعتَ مِن لبانِه أن يَقلِب له أقوامٌ مِن الرّويبِضة وسُفهاء الأحلامِ ظَهرَ المجَنّ في السوء والفَساد والخيانةِ إفراطًا أو تفريطًا، فما اسطاعَ هؤلاء، وما استطاع أولئك، والله وحدَه أمنّ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ[البقرة:220]، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ[يونس:81]. وقولوا لي ـ بربِّكم ـ مَن تؤويه دارٌ فيجحَد فضلَها ويتنكَّرُ لها ماذا يكون؟ حقًّا إنّ الجنونَ فُنون.

معشَرَ الإخوةِ الأكارِم، وممّا ينبغِي التفطُّن له الحذَرُ مِن الاغتِرارِ بالحَمَلات الإعلاميّة المغرِضَة والقنوات الفضائيّة المسِفَّة بدعوَى الإصلاح زعَموا أو الانسياقِ وراء الطعون المجرَّدَة والتُّهَم الملفَّقَة أو النّيل مِن رموز المجتَمَع وصالحي الأمّة والطّعن في الناجِحين والحطّ مِن أقدار الطامحِين ومحاولة إسقاطِهم والخَدش فيهم بغَير وجهِ حقّ أو التّحريشِ بين المسلِمين أو التّهييج والإثارةِ والتشنّج وإثارةِ بواعِث الفِتن وأسبابِ الفرقة والإحَن وإحياء النّعرات والعِرقيّات والقَبَليّات والأبعاد الطائفيّة والمذهبيّة وبَذر بذورِ الشقاق والاختلافِ والتجافي عن موارِدِ الاجتماعِ والائتلاف، ومَن فعل ذلك فهو على خطَرٍ في دينه ومروءتِه والعياذ بالله، كما أنّه قدح في أصلٍ من أصول الدّين كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ثمّ إنّ الاعتصامَ بالجماعة والائتلاف مِن أصولِ الدين" انتهى.

ومِن القواعد المقرَّرة في الشريعةِ دَرءُ المفاسد وتقليلُها وجَلب المصالح وتكميلها والأخذ بأعلَى المصلحَتَين وارتكابُ أدنى المفسدَتَين والعمَل بأخفِّ الضّرَرين ومَا لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، فما أحوجَنا إلى التعاونِ على البرّ والتقوى والتعامُل مع المستجِدّات والسّير في دروبِ الإصلاح بأخلاقيّاتِ وآداب المجتمَع المسلم في حبٍّ مشترَك وودٍّ مشاع، دونَ انتقاصٍ وتحقير أو استهزاءٍ وتشهير، والتوفيق بيَدِ الله سبحانه، وما يدري العبدُ أين يكمُن الخير له، فهو دائرٌ بين عمَلِ الخير وخَير العمَل، وذلك ممّا ينبغي أن تتَّسِع له الآراء والصدورُ وتستوعِبَه العقول تفاديًا للشّرور، والمسلم يرضَى بما قسَم الله له، ويسلِّم لحكمِه، ففيه الخيرُ كلّه وإن بدا للناس على خلافِ ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ما ذِئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غنمٍ بأفسَدَ لها من حِرصِ المرء على المالِ والشّرَف لدينه)) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن. قال الحافظ ابن رجَبٍ رحمه الله: "فهذا مَثَلٌ عظيم ضربَه النبيّ  لفساد دينِ المسلم بالحرصِ على المال والشّرَف في الدنيا".

ألا فليعلم ذلك من يتهافَتون تهافتَ الفراش على النارِ على حُبّ الظهورِ بزعمِ الإصلاح والتطلُّع والاستشراف للشهرة، فإنها في ظاهِرِها مغانم، وفي عواقبها مغارِم، وكفى بالشّهرة وحبِّ الظهور قاصِمًا للقلوب والظهور، وإنّك لراءٍ في حلائِبِ الناس من ذلك عجبًا.

ألا فلنتَّق الله عبادَ الله، ولنتحلَّ بالإيجابيّة والبناء والتفاعُل والإعمار والنّماء لأوطاننا الإسلاميّة، سَيرًا في ركاب الصلاح والإصلاح، فهذه ـ والله ـ ميادينُ العمَل والشموخ وساحاتُ المواهِب والطموح.

أيّها المغرَمون بالنَّقد والتجريحِ المولَعون به بالتّصريح والتلمِيح والتشهير بالمثالِبِ والتّنقيبِ عن المعائب وسردِ القبائح ونشرِ الفضائح وتتبُّع السّقطات وتضخيم الهِنات وإن زيَّنَه الشيطان لأصحابِه وأظهرَه لهم بمظهَرِ النصح للأمّة وإصلاح أوضاعِها، فهذه بِضاعة كلِّ فارغٍ بطّال ممّن تسمَّروا أمامَ شَبَكات المعلومات وتنسَّموا عَفَن الفضائيّات ونَتنَ تقانات المنتَدَيات، حتى أعياهم ذلك عن الجِدِّ والتمسُّك بالعزَمَات.

وإلاّ فمَن ذا يبارِز فليقدِّم نفسَه           أو مَن يسابِق يبدُ في الميدانِ

سدَّد الله الخطى، وبارَك في الجهود، وحفِظ بلادَنا وسائر بلادِ المسلمين من شرِّ الأشرار وكيدِ الفجّار وشرِّ طوارقِ الليل والنهار، ورزَقَ الجميع صلاحَ الحال والمآل، إنّه وليّ الجود والكرَم والنّوال.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ والسنّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآياتِ والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فإنه الغفور ذو الرحمة، فاستغفِروه وتوبوا إليه، فيا لفوزَ المستغفرين، ويا لَبشرَى التائبين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله، تعاظم ملكوته فاقتدر، وعزّ سلطانه فقهر، أحمده حمدًا كثيرا كما أمر، وأشكره وقد تأذّن بالزيادة لمن شكر، والصلاة والسلام الأزكَيَان الأشرفان على النبي المصطفى خير البشر، الشافع المشفَّع في المحشر، القائل فيما صحّ عنه: ((لا عدوى ولا طِيَرةَ وهامةَ ولا صفر))، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغُرَر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتَّصلت عين بنظر وأذنٌ بخبر، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة.

أيها الإخوة الأحبة في الله، إشراقات الحياة بجماليات الدين، وجماليات الدين بتألّقات العقيدة، وإن أهمَّ مشكلة تُبتَلى بها الأمة دخول النقص عليها من جهة ثوابتها وعقيدتها، ومن المقرَّر أن الله عز وجل أبطل معتقدات الجاهليّة، ومن ذلك ما يعتقده بعض الناس أن لبعض الشهور والأعوام والليالي والأيام تأثيرا في جلب المنافع ودفع المضار والأسقام كما يتوهّمه بعض العامّة ي شهر صفر، وقد جاء الإسلام فأبطل ذلك، وقضى على مظاهر التشاؤم والتطيّر، وفتح أمام الناس آفاق التفاؤل؛ لينطلقوا في الأعمال فتتحقّق لهم الآمال، أخرج أبو داود في سننه بسند صحيح عن [عروة] بن عامرٍ مرفوعا قال: ذُكرت الطيرةُ عند رسول الله  فقال: ((أحسنُها الفأل، ولا تردُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكرَه فليقل: اللّهمّ لا يأتي بالحسنات إلاّ أنت، ولا يدفع السيّئات إلا أنت، ولا حولَ ولا قوّةَ إلا بك)).

فيا أهلَ الإسلام، عقيدتَكم عقيدتَكم، وإنه لغريبٌ حقًّا أن تعبث ببعض العقول الخيالاتُ والأوهام، فتستسلمَ للتشاؤم والتطيّر ببعض الشهور والأيام وذوي العاهات والأسقام، وما هي في الحقيقة إلا أضعاث أحلام، وقد أبان المولى سبحانه وتعالى الحجةَ وأوضح المحجّة فقال عز من قائل: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ[التوبة:51].

هذا وصلّوا وسلّموا ـ رحمكم الله ـ على خير الورى نبيِّ الرحمة والهدى كما أمركم بذلك ربّكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب:56].

اللّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على الهادي البشير والسّراج المنير نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

You have no rights to post comments