الإسلام والبطالة

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

وأيًا ما كانت الأسبابُ المؤدية إلى البطالة -كأن تكون أثرًا لما يوجد فى المجتمع من تناقضات فى بناء فرص العمل، أو نتيجة للتخصص المتزايد والتنافس الشديد في الإنتاج الرأسمالى- فلا سبيل إلى مكافحتها إلا بإتاحة فرص العمل التى تصونها الضوابطُ العادلة من شرع الله، والتى تهتم بالحاجات العامة للإنسان، فالدين والعمل هما طوق النجاة من شرور البطالة والأزمات الاقتصادية.

ولقد أخذ العملُ في الإسلام مكانة لا تدانيها مكانة فلم يحدث أن دينًا من الأديان السابقة أكد قيمة العمل وقيمة الفرد العامل كما فعل الإسلامُ الذي جعل العملَ واجباً إسلامياً مفروضاً على كل إنسان مهما علا شأنه أو صغر، وقرر منذ بدء دعوته أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وأنه قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ومن هنا كان الارتباط والاقتران بين الإيمان والعمل في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107]، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9]، فلا إيمان إلا بالعمل الصالح الذي يؤكد هذا الإيمان تأكيداً عملياً من خلال الكد والاجتهاد والبحث عن الرزق وإعمار الأرض.

ولقد حرَص الإسلام على دفع المسلمين إلى العمل، وحضهم عليه، وترغيبهم فيه، وفتَحَ أمامهم أبوابَ العمل الصالح على مصراعيها؛ ليختار كلُّ إنسان ما يناسبُ قدراتِه وإمكانياتِه ومهاراته من عمل طيب، وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض بعد الصلاة طلبا للرزق؛ فقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

وحث الإسلام على المهن والحرف اليدوية، وجعل كل كسب حلالٍ عملاً شريفاً وإن نظر إليه بعضُ الناس نظرة استهانة واحتقار، فقد روى البخاري عن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

ووردت أحاديث كثيرة تبين فضل الكسب والمهن والحرف اليدوية؛ فعن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وفي الحث على المزارعة والغرس روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: "ما من مسلم يزرع زرعاً أويغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".

ولقد كان الرسلُ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أحرص الناس على العمل إلى جانب الدعوة إلى الله فكان نوحٌ نجاراً، وكان إدريس خياطاً، وكان داود خواصاً، وكان موسى أجيراً عند شعيب، وكان نبينا يرعى الغنم ويعمل بالتجارة قبل البعثة.

وقد اقتدى به الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- فحرَصوا على العمل والسعي في طلب الرزق؛ فكان منهم الصانع والتاجر والزارع، وكانوا يتمتعون بالغنى وسعة الرزق ويمارسون أعمالهم مع انشغالهم في الدعوة والجهاد في الغزوات والحروب والفتوحات التي كانوا يحققون فيها النصر والظفر.

• أضرار البطالة:

ولا شك أن للكسل والبطالة والقعود عن العمل أضراراً وأمراضاً خطيرة تهدد المجتمعَ بالخراب والدمار، فالإنسان الذي يركن إلى البطالة ويُضرب عن العمل مع توفر فرصه يضيع نفسه ويضيع ذويه، ويصبح عالة على غيره وعضواً مشلولا يعوق حركة المجتمع وتقدمه، ثم نجده يُعرّض نفسَه ومن يعول للذل والهوان، ولا يلقى من الناس إلا الاحتقارَ والسخرية، ويجني من كل ذلك ضياع الدين والخلق والكرامة.

وهذا العاطل عن العمل قد يدفعه تعطلُه وبطالتُه إلى أحد أمرين: إما أن يتكفف الناس ويتسول، وإما أن يتجه إلى ارتكاب الجرائم والمنكرات للحصول على الأموال.

فأما التسول فهو من أخطر الأمراض التي تضر المجتمع، وتشوه صورته، والمتسول -وخاصة إذا كان من القادرين على العمل- إنسان حقر نفسه، وأراق ماء وجهه، وخلع حياءه وكرامته، وفقد إنسانيته، وبدأ يمد يده للناس أعطوه أو منعوه، أما غيرُ القادر على العمل فهذا له عذرُه في الحاجة إلى غيره، ومن أجله كانت فريضة الزكاة التي تغنيه عن الحاجة والمسألة.

ولكن الشيء الغريب أن التسول أصبح اليوم مهنة لبعض الناس، وانتشر في بعض الدول الإسلامية انتشارا سرطانيًا مدمرًا؛ حتى إن بعض القادرين على العمل من الكسالى قد استسهلوا التسول وانطلقوا في الشوارع والمركبات العامة يمدون أيديهم للناس بغير حياء.

ولقد حارب الإسلامُ هذه العادةَ السيئة وبالغ في النهي عن مسألة الناس؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله قال: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم". وروى الإمامُ أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال: "لا يفتح عبدٌ بابَ مسألة إلا فتحَ الله عليه بابَ فقر". وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى".

• البطالة والجريمة:

وأما الأثر الثاني للبطالة والتعطل عن العمل بعد التسول فهو الاتجاهُ إلى الجريمة طلبًا للمال، وهذا الأثر أخطرُ بكثير من التسول؛ لأنه إن كان المتسولُ يأخذ من مال الإنسان بمحض إرادته وبطيب نفس منه، فإن السارق يأخذُ المالَ عَنوة، وقد يعتدي على صاحب المال إذا ما اعترضه وهو يسرق، ويرتكب جريمة أخرى غير السرقة وهي: القتل، ومن هنا تنتشر الجرائم وتصبح حياةُ الإنسان وماله وعرضه في خطر من هؤلاء المجرمين المتعطلين، وقد أثبتت الدراساتُ والبحوث أن أكثر الذين يرتكبون الجرائم في هذه الأيام هم من العاطلين الذين أخفقوا في عملهم أو في دراستهم وعجزوا عن أن يشغلوا أنفسهم بالحق فشغلتهم هي بالباطل.

ومن هنا تتضح عظمة الإسلام حين حضّ على العمل، ورغب الناس فيه، وجعل بعض الأعمال تصل إلى منزلة الجهاد في سبيل الله.

• بواعث التعطل:

والإسلام عندما دعا إلى العمل وحضّ عليه عالج البواعث النفسية والمعوقات العملية التي تثبط الناس عن العمل والسعي والمشي في مناكب الأرض، وتقودهم إلى البطالة، فمن الناس من يعرض عن العمل والسعي بدعوى التوكل على الله وانتظار الرزق من السماء، والإسلام قد خطّأ هؤلاء؛ لأن التوكل على الله لا ينافي العمل واتخاذ الأسباب، فالطير نفسه قد فقه مفهوم التوكل على الله فنجده يغدو ويروح طلبا للرزق، كما قال الرسول: "لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا".

وقد رتب الله سبحانه الأكل من رزقه على المشي في مناكب أرضه فقال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]، فمن مشى أكل، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل.

• لا رهبانية في الإسلام:

ومن الناس من يدَعُ العمل بحجة التبتل والانقطاع للعبادة، وهذه نظرة غير صحيحة للإسلام الذي يعد العمل الصالح عبادة من العبادات، ويدعو إلى العمل والكسب، ويقرر أنه لا رهبانية في الإسلام، وأن سعي الإنسان على معاشه -ليعف نفسه أو يعول أهله أو يحسن إلى أرحامه وجيرانه أو يعاون في عمل الخير ونصرة الحق- إنما ذلك ضرب من الجهاد في سبيل الله.

وقد دعا القرآن الكريم إلى الجمع بين نصيبي الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].

ومن الناس من يدعُ العملَ استهانةً به واحتقاراً له، كما كان الحالُ عند كثير من العرب الذين يحتقرون الحرف والعمل اليدوي، وقد بدّل الإسلام هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العمل أياً كان نوعُه، وحقر من شأن البطالة، وجعل النبيُّ جمعَ الحطب وبيعَه خيراً للمرء من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

ومن الناس من يدع العمل لأنه لم يتيسر له في بلده ومسقط رأسه وموطن أهله وعشيرته، ويرضى بالبطالة والفقر بدلاً من الهجرة والضرب في الأرض والسفر مع السعة والغنى، فإن هؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة، وشجعهم على الغربة، وبين لهم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله غير محدد بمكان ولا محصور في جهة، قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، وقال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].

وعن عبد الله بن عمرو قال: توفى رجل بالمدينة ممن ولدوا فيها، فصلى عليه رسول الله وقال: "ليته مات في غير مولِدِه"، فقال رجل: ولِمَ يا رسول الله ؟ قال: "إن الرجلَ إذا مات غريباً قِيسَ له من مولده إلى منقَطَعِ أثرِه في الجنة".

وقد انطلق المسلمون الأوائلُ على هدى هذه الأحاديث في فجاج الأرض؛ ينشرون الدينَ، ويلتمسون الرزقَ، ويطلبون العلم، ويجاهدون في سبيل الله.

ومن الناس من يركن إلى البطالة اعتمادًا على أخذه من الزكاة أو غيرها من الصدقات والتبرعات التي تجيء إليه من الآخرين بغير تعب ولا عناء، وفي سبيل ذلك يستبيحُ المسألةَ مع قوة بنيته وسلامة أعضائه وقدرته على الكسب، فالإسلام يحارب هذه الفئة، ولا يقرر لها أي حق في الزكاة ولا في غيرها من الصدقات ما داموا أقوياء مكتسبين أو مستطيعين للكسب، ولذلك قال النبي: "لا حظ فيها -أي في الزكاة- لغني ولا لقوي مكتسب".

You have no rights to post comments